أكرم القصاص يكتب: مصر.. نفوذ بلا تهديد وردع فى خلفية الصورة.. التحرك المصرى فى القضية الفلسطينية جمع بين القوة والإنسانية من دون ضجيج أو صدام.. والحديث عن استعادة السلام أو الدولة الفلسطينية عاد للواجهة من جديد

بعد إعلان مصر عن الخطوط الحمراء فى ليبيا، يوليو الماضى، ظهرت أسئلة وتحليلات تشكك فى إمكانية تنفيذ هذا، وبالتوازى كانت السياسة المصرية تتحرك على جبهات متعددة، منها استضافة الفرقاء والدفع نحو حل سياسى ظل بعيدا عن التحقق. 

 

اعتمدت التحليلات يومها على وجه واحد، هو الخطوط المصرية، بينما التفاصيل تتشكل فى اتجاهات متعددة، ومساحات غير ظاهرة، لتكشف عن استراتيجية وليس مجرد خطوة واحدة، ومن يتابع تصريحات ومواقف الدول الكبرى تجاه ليبيا، يمكنه رؤية تحول فى المواقف بزوايا حادة، وتضمنت التصريحات الأمريكية والأوروبية أحاديث عن «خروج الميليشيات وإبعاد التدخلات»، وهى مصطلحات مصرية وجدت طريقها إلى مراكز صناعة القرار فى الخارج.

 

إن مصر تتحرك من رؤية محددة، إبعاد التدخلات الخارجية وإخراج الميليشيات وبدء  حوار سياسى، وأن تكون ليبيا لأهلها يديرها الليبيون،  مع إقناع الأطراف الدولية بأن هذا الاستقرار فى ليبيا يرتب الكثير من المصالح الإقليمية والدولية.

 

اللافت للنظر أن بعض القنوات واللجان المضادة كانت تتعامل مع الموقف المصرى من زاوية «الكيد»، وبناء على معلومات خاطئة، وطرح أسئلة لا علاقة لها بالموضوع، من نوعية أن مصر تترك قضية المياه فى الجنوب وتذهب إلى الغرب، من دون إدراك لمدى الارتباط بين الملفات الإقليمية، والحجم النوعى للتأثير والنفوذ والقدرة على العمل فى كل الاتجاهات، وكيف يمكن للخطوط المصرية أن تمثل ردعا فى اتجاهات متعددة. 

 

كان الموقف المصرى ونتائجه فى ليبيا كاشفا عن نموذج جديد للتأثير، يختلف عن السابق، نموذج  لا يعتمد على القوة أو التهديد أو التدخلات، بقدر ما يعتمد على العمل السياسى والحوار، مبقيا القوة الرادعة فى خلفية الصورة. 

 

نجاح مصر فى إدارة الملف بليبيا، إقليميا ودوليا، أول علامة لميلاد النفوذ القائم على القوة المتعددة، وهو أمر بالطبع يشغل الكثير من مراكز التحليل والتفكير، لأن مصر بنت تأثيرا قائما على الإقناع والحوار، ونجحت على مدى سنوات فى تسويق نموذج يحمل السياسة والحوار ويبعد الصراع والسلاح. 

 

هذا النموذج تأكد فى التعامل مع القضية الفلسطينية، ولم يقتصر على وقف العدوان وإطفاء الحرائق، لكنه حمل قدرا من الدفع لصيانة الوضع وتثبيت الهدنة، وهذا يتم بالتداخل مع كل الأطراف المعنية فضلا عن الأطراف الإقليمية والدولية. 

 

كان تعاملا مختلفا، يتضمن القدرة على الاتصال والتفاعل مع تقدير توازنات القوى، وكسب ثقة الأطراف المختلفة، لتجد نفسها أمام عرض لا يمكنها رفضه.  

 

اللافت للنظر أن التحرك المصرى فى القضية الفلسطينية جمع بين القوة والإنسانية والنفوذ، من دون ضجيج أو صدام، وحتى الحديث عن استعادة السلام أو الدولة الفلسطينية عاد ليطل برأسه، بالرغم من أنه ظل بعيدا فى مراحل أخرى، لأنه يتضمن التفاصيل ويشمل قدرة على تكوين معطيات ممكنة. 

 

وبناء عليه، ونحن نتحدث عن دور مصرى أو تأثير إقليمى، فالأمر لا يحتمل أى مشاعر شوفينية أو مبالغ فيها، لكنه يطرح واقعا قائما، فقد أصبح الدور المصرى بالفعل ظاهرا، وإن كان البعض يبدى دهشته وكأنه فوجئ، وهؤلاء المراقبون غالبا استسلموا للكثير من الدعايات المضادة على مدى سنوات، ولم ينتبهوا إلى عملية بناء متتالية داخليا وخارجيا، وهى تجربة تكونت على مدى سنوات، وظهرت فى تصريحات وكلمات للرئيس السيسى فى أكثر من موضع، لكن فى وقتها كان البعض ينظر إليها من زاوية الوضع الظاهر، من دون انتباه، لكون هذه الرؤية ترتبط فى الداخل والخارج، بينما كانت عملية بناء الدولة والبنية الأساسية وإصلاح الاقتصاد قائمة. 

 

كانت المؤسسات الدبلوماسية والمعلوماتية تبنى خطوطا أخرى، وهو ما بدا أكثر بروزا تجاه واقع إقليمى وداخلى، وهذه السياسة أثمرت فى تفكيك الكثير من الملفات المعقدة.

 


 

 

الموضوع من المصدر

مساحة إعلانية - ضع إعلانك هنا
الكلمات الدلالية
إعلان

إقرأ أيضاً:

إغلاق