المقاومة فى عصر الرقمنة بالعدد الخامس من مجلة خطابات الثقافية

صدر حديثا العدد الخامس من مجلة خطابات الثقافية، والتي تصدر عن مركز المدار المعرفي بالجزائر، ويرأس تحريرها، الناقد عماد عبد اللطيف، أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب.

 

يأتي العدد الخامس من مجلة خطابات ممثلا لحلقة جديدة في سلسلة من بحوث تحليل الخطاب، مُركِّزًا على قضية المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، مسبوقًا بعدد اختص بدراسة التلاعب والتضليل، ومتبوعًا بعدد يختص بدراسة العنصرية بكل أشكالها. ولعل هذا التتابع يكشف عن المسلك الذي تتخذه المجلة، والرؤية الإنسانية والنقدية التي تنطلق منها، والقضايا التي تشغلها. تلك القضايا التي لا تقتصر دراستها على المختصين في اللغة والأدب بل يُعنى بها المختصون في الإعلام والعلوم السياسية والاجتماعية وعلوم الاتصال والتواصل وغيرهم.

 

 

يهدف العدد الخامس من مجلة خطابات، الذي حرره د. إبراهيم عبد التواب، الأستاذ بجامعة القاهرة إلى الكشف عن دور اللغة والبلاغة، والصورة المرئية والاستعارية، ووسائل الاتصال ووسائطه وتأثيراتها الفعالة والحاسمة في قضية المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي. يقدم هذا العدد خمسة بحوث علمية قيمة، رغم اتحاد وجهتها العامة، فإنها وصلت إليها من مداخل شتى، فهي متنوعة تنوعا ثريا في مادة دراستها، وفي موضوعها وأسئلتها، وفي مداخلها ومناهجها، واهتمامات باحثيها وتخصصاتهم.

 

يُفتتح العدد -مع علوم الاتصال والإعلام، وفي ساحة الشبكات الاجتماعية الرقمية- ببحث: “هاشتاغ “#غزة-تحت-القصف”: الوسم لغة وسائطية مقاومة أم بلاغة مراوغة؟” لفحص فاعلية الوسم الرقمي “الهاشتاغ” ومدى قدرته على خلق رأي عام مؤثر وكاشف عن التضليل والتزييف الذي يمارسه الإعلام الإسرائيلي بقلب الحقائق، كأن يجعل المقاومة إرهابًا، والتهجير والتشريد وطرد الفلسطينيين من بيوتهم تطبيقًا لقرارات قضائية نافذة، فضلا عن تبريراته لجرائم التطهير العرقي، والفصل العنصري التي يرتكبها. يعتمد البحث على التحليل النقدي للخطاب و”بلاغة الجمهور” في سعيه لمقاربة الوسوم الرقمية “الهاشتاغات” بوصفها استجابات بليغة من جماهير الشعب العربي في مواجهة خطاب الإعلام الإسرائيلي والمؤيدين له. ويحلل البحث جانبا من الصراع الرقمي بين المستخدمين وبعض مواقع التواصل الاجتماعي الداعمة للاحتلال الإسرائيلي مثل موقع فيس بوك الذي كان يقيد ويحجب ويحظر كل مفردة ذات ارتباط وثيق بالقضية الفلسطينية.

 

وينقلنا البحث الثاني “بلاغة الخطاب الجماهيري الثابت واستراتيجيات التأثير: فن جداريات المقاومة الفلسطينية نموذجا” من الخطبة إلى الجدارية، ومن صوت المقاومة الفنية الفردية إلى لوحات المقاومة الجماهيرية، ومن الحجاج إلى السيمائية، حيث يصبح الخطاب متعدد الوسائط (Multimodal) تلتحم فيه الكلمة بالصورة والرمز، لتعبر عن أسلوب احتجاج عصري إبداعي. يستعين البحث ببلاغة الجمهور والسيمائية بوصفهما من المداخل الأقرب لطبيعة الموضوع، محاولا – عبر تحليل بلاغي وتشكيلي للصور والرموز والأيقونات والخطوط والألوان- أن يبرز استراتيجيات التأثير والإقناع ووسائل الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال والدفاع عن أرضه وعرضه وهويته.

 

نواصل مع الفنون البصرية ومناهج التحليل المتكاملة، منتقلين من جدران شوارع فلسطين وحاراتها العتيقة إلى صفحات التواصل الاجتماعي، مع بحث “بناء المعنى وآليات إنتاجه في الصورة الكاريكاتيرية” حيث نجد الصورة وسيطًا لرسم ملامح هوية طرفي الصراع، وتصير السخرية سلاحًا مشهرًا في وجه الصهيوني والعربي المتصهين. يحاول البحث الإجابة عن سؤال مركزي عن كيفية إنتاج المعنى في الصورة الكاريكاتيرية من خلال تحليل ثلاثي: لغوي وأيقوني وتشكيلي يُجلِّي للقارئ الدلالات المباشرة والضمنية والإيحائية للكلمة والرمز والصورة والملبس واللون، على المستويين الأيديولوجي والأكسيولوجي، وتمثيلاتها الثنائية لهوية طرفي الصراع المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي.

 

يرتحل بنا البحث الرابع من عالم الصورة البصرية إلى فضاء الصورة الاستعارية، حيث تقوم الاستعارة بدورها الإقناعي المشهود في الخطاب السياسي خلال “معركة سيف القدس”، يتناول بحث “الاستعارة التصورية في خطاب حركة حماس خلال انتفاضة مايو 2021: مقاربة بلاغية” الاستعارة من المنظور المعرفي كما صاغه لايكوف وجونسون في كتابهما الرائد “الاستعارات التي نحيا بها”، ويقدم عرضًا نظريا لمفهوم الاستعارة التصورية وأنواعها، ودورها في بناء التصورات والاعتقادات وفي تدعيمها أو تفنيدها. ويركز البحث على أربع استعارات هي استعارات الرحلة، والشخص، والعائلة، والكيان؛ محاولا إيضاح أبعادها التداولية والحجاجية.

 

ويينتهي القسم الأول من العدد ببحث “تقنيات الحجاج في الخطاب المقاوم عند تميم البرغوثي” الذي يمتاز بتناوله لعينة أدبية لعَلَم من كبار أدباء المقاومة الفلسطينية، جعل فنه نثره وشعره متراسًا في أمام زحف الاحتلال الإسرائيلي لتهويد الأرض، وطمس الهوية الفلسطينية. يحلل البحث التقنيات الحجاجية لهذا الخطاب الإقناعي، مازجًا العرض النظري لتاريخ نشأة الحجاج ونظريته من أرسطو إلى بيرلمان وتيتيكا بتطبيق ذلك على بعض خطب البرغوثي، كاشفا عن الحجج وطبيعتها ومنطقيتها وعلاقتها بالواقع. ويكشف البحث أيضا عن الحجج التي ساقها البرغوثي لتفنيد خطاب الاحتلال، ذلك الخطاب الذي يضلل الرأي العام العالمي مقدما إسرائيل في صورة دولة سلام تقاوم إرهابيين.

 

علاوة على ملف خطاب المقاومة والاحتلال، يضم هذا العدد مقالات منوعة منها ما يفحص “خطاب المقدمات في رسائل دكتوراة اللغة في الجامعة التونسية”، ومنها ما يناقش عددا من “قضايا الأسلوبية”.

 

ومن المقالات ما عُني بالجوانب النظرية لمفهوم الاستعارة مثل مقال “المقولة والتجسد” بوصفهما مفهومين أساسيين في نظرية المعرفة، ومنها ما عُني بدراسة ظواهر الاستعارة في المدونات المختلفة: الدينية – كما في مقال “الاستعارة التصورية لأركان الإسلام الخمسة” – والشعرية – كما في مقال “الاستعارة وأنسنة الأفضية في شعر أدونيس”، وكانت الاستعارة أيضا موضوع المقال المترجم في نهاية العدد، وتحضر المدونة التراثية في هذا العدد من مجلة خطابات من خلال مقال “التردد والاتساع في رسالة التربيع والتدوير للجاحظ”.




الخبر من المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق