بعد حرق المصحف.. هل تقضي تركيا على حلم السويد بالانضمام للناتو؟ | سياسة واقتصاد | تحليلات معمقة بمنظور أوسع من DW | DW

غضب عارم اجتاح العالم الإسلامي على إثر واقعة إحراق القرآن أمام السفارة التركية في ستوكهولم، فيما بدا أن فكرة انضمام السويد إلى حلف الناتو أصبحت مستبعدة على الأقل في الوقت الحالي خاصة مع الغضب التركي الشديد من الواقعة.

يوجه الغضب بشكل أساسي إلى الحكومة السويدية والسلطات الرسمية نظراً لعدم قيامها بمنع مثل هذا العمل باعتباره نوعاً من حرية التعبير عن الرأي. الأمر الذي أدى إلى انطلاق دعوات غاضبة حول العالم لمقاطعة البضائع السويدية وحث الدول العربية والإسلامية على اتخاذ موقف دبلوماسي قوي من السويد.

إدانات عربية وإسلامية وغربية

تصاعدت الانتقادات بشأن الواقعة، فالسعودية وصفت الأمر “بالعمل العبثي المشين” والذي “يؤجج الفتن ويخدم دعاة التطرف”، ووصف الأردن تلك الممارسات بأنها “حماقات من شأنها زعزعة الأمن والاستقرار وتتعارض بشكل صارخ مع القيم والمبادئ الإنسانية والأخلاقية والدينية”.

فيما حذرت مصر من مخاطر انتشار مثل هذه الأعمال التي تسيء إلى الأديان وتغذي خطاب الكراهية والعنف. بدورها قالت الخارجية الباكستانية إن “هذا العمل غير المنطقي والاستفزازي المعادي للإسلام يمس الحساسيات الدينية لأكثر من 1.5 مليار مسلم في جميع أنحاء العالم”.

من جانبها أدانت الولايات المتحدة الواقعة، وقال نيد برايس المتحدث باسم الخارجية الأمريكية للصحفيين، إن “حرق كتب تعد مقدسة للكثيرين هو عمل مهين للغاية”، وأضاف “إنه أمر بغيض”، واصفا الحادث بأنه “مثير للاشمئزاز وكريه”.

وأدان الممثل السامي لمنظمة تحالف الحضارات التابعة للأمم المتحدة ميغيل أنغل موراتينوس “العمل الدنيء” واعتبر ما حدث “ازدراء وإهانة للمسلمين”.

بدورها أدانت الخارجية الألمانية الواقعة واعتبرتها “عملاً استفزازياً يهدف إلى إثارة الانقسام”. وقال المتحدث باشم الخارجية كريستيان فاغنر إن حرق نسخة من القرآن “كان تصرفاً وقحاً وغير لائق تماماً”، مؤكداً إدانة بلاده لهذا التصرف.

شهدت عدة دول مظاهرات منددة بواقعة إحراق المصحف في السويد وتصاعدت مطالبات بمقاطعة البضائع السويدية كوسيلة عقابية

وإدانة سويدية!

وتقول السلطات السويدية إن الاحتجاج كان قانونياً بموجب قوانين حرية التعبير في البلاد ، لكن قادة السويد أدانوا هذا الفعل ووصفوه بأنه “مروع”. 

وقال رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون في تغريدة إن”حرية التعبير جزء أساسي من الديمقراطية، ولكن ما هو قانوني ليس بالضرورة أن يكون ملائما”. وأضاف “حرق كتب تمثل قدسية للكثيرين عمل مشين للغاية”، معربا عن تعاطفه مع “جميع المسلمين الذين شعروا بالإساءة بسبب ما حدث في ستوكهولم“.

لكن السويد أكدت أيضاً على فكرة حرية التعبير عن الرأي وقال وزير الخارجية السويدي توبياس بيلستروم -في تغريدة بتويتر السبت- إن “الاستفزازات المعادية للإسلام مروّعة”، مؤكدا في المقابل أن “السويد تتمتع بحرية تعبير كبيرة، لكن هذا لا يعني أن الحكومة السويدية أو أنا نفسي نؤيد الآراء المعبَّر عنها“.

براغماتية تركية .. ولكن!

ويرى الدكتور محمود العدل المشرف العام على قسم اللغة التركية كلية الألسن بجامعة قناة السويس والخبير في الشأن التركي أن “أصل المشكلة بين البلدين هي حزب العمال الكردستاني” وأنه “كان هناك قنوات اتصال بينهما وحدث نوع من المرونة بشأن انضمام السويد إلى الناتو لكن وصولنا إلى مرحلة حرق المصحف يعني أننا وصلنا إلى طريق مسدود بين البلدين”.

ويقول العدل إنّ “المشاعر الدينية والقران لا يجب أن يكونا عرضة أو محل لخلافات سياسية، فهذه الخلافات ستحل عبر طاولة التفاوض وما كان للسويد أن يصل بها الأمر إلى السماح بمثل هذا الفعل”.

ويضيف خلال حوار هاتفي مع DW عربية أن حكومة اردوغان أو حكومة العدالة والتنمية التي تحكم تركيا منذ 2002 حتى اليوم “هي حكومة عرفت بالبراغماتية الشديدة، وفي رأيي سيتم استغلال هذا الحدث بشكل او بآخر لبناء حائط صد لمنع السويد من الانضمام الى الناتو”.

ويستبعد الخبير في الشأن التركي أن يحدث أي تنازل مستقبلاً من جانب السويد خاصة في ظل الموقف التركي الذي ازداد تشدداً بعد حرق المصحف. و”إذا كان هناك أي نية من جانب السويد لأي تنازل لكانت قدمته خلال مراحل المفاوضات السابقة والطويلة بين البلدين”.

ويرى العدل أنّ “الطريق الآن أصبح مسدوداً بينهما لذلك وصلنا اليوم إلى اللعب على المشاعر الدينية خاصة وأن واقعة مثل هذه حصلت بدون معارضة السلطات السويدية وهذا أمر لا علاقة له بحرية الرأي والتعبير بأي منطق”، حسب تعبيره.

وكانت السويد وفنلندا وتركيا العام الماضي قد وقعت اتفاقية ثلاثية للتغلب على خلافاتها بما يفضي إلى انضمام السويد وفنلندا الى الناتو.ل كن رئيس الوزراء السويدي قال في وقت سابق إن ستوكهولم لا تستطيع تلبية جميع مطالب تركيا، التي تشمل تسليم أكراد يعيشون في السويد – وهو الطلب الذي رفضته بالفعل المحكمة العليا في البلاد. وقال رئيس الوزراء السويدي “إنهم (الأتراك) يريدون أشياء لا يمكننا تقديمها لهم“.

استفزازات” سويدية؟

وفي حين أن معظم أعضاء الناتو يرغبون في ضم المزيد من الدول الأوروبية إلى التحالف القوي بشكل سريع، إلا أن التوترات المتصاعدة بين السويد وتركيا تهدد بإطالة وقت الانتظار ربما إلى أجل غير مسمى. ويتعين على جميع دول الناتو الموافقة على انضمام أي عضو جديد. وتقف تركيا – وهي لاعب جيوسياسي رئيسي وصاحبة ثاني أكبر جيش في الحلف – بصفتها الخصم الصريح والأساسي لعضوية السويد وفنلندا.

وتبدو أسباب معارضة أنقرة لانضمام السويد وفنلندا معقدة، لكنها تدور بشكل أساسي حول دعم السويد للجماعات الكردية التي تعتبرها تركيا إرهابية وخاصة حزب العمال الكردستاني، وعلى حظر الأسلحة الذي فرضته كل من السويد وفنلندا – إلى جانب دول الاتحاد الأوروبي الأخرى – على تركيا بسبب استهدافها للمقاتلين الأكراد في العراق وسوريا.

وتحاول السويد تغيير الأمور في علاقاتها مع تركيا، لكن الأحداث التي وقعت في الأسابيع الأخيرة هددت بتبديد الآمال في إحراز تقدم في هذا الملف.

عقب الواقعة ألغت تركيا زيارة مرتقبة لوزير الدفاع السويدي كانت ستركز على عضويتها في الناتو. وقالت وزارة الخارجية التركية “ندين بأشد العبارات الهجوم الدنيء على كتابنا المقدس … السماح بهذا العمل المعادي للإسلام، الذي يستهدف المسلمين ويهين قيمنا المقدسة تحت غطاء حرية التعبير أمر غير مقبول على الإطلاق“.

سبق ذلك استدعاء تركيا السفير السويدي بعد نشر مقطع فيديو ظهرت فيه مجموعة مؤيدة للأكراد في السويد وهي تعلق دمية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان من قدميها بواسطة حبل، لكن رئيس الوزراء السويدي شجب الواقعة ووصفها بأنه عمل “تخريبي” ضد محاولة بلاده الانضمام إلى الناتو.

اليمين المتطرف والسياسة السويدية

وفي رأي حمزة تكين، الكاتب الصحفي والمحلل السياسي التركي، فإن مسألة موافقة السلطات السويدية على السماح بتنظيم مظاهرة يحرق فيها المصحف على الرغم مما قد يجلبه أمر كهذا من خسائر سياسية واقتصادية للسويد هو أمر يشير إلى صعود اليمين المتطرف في السويد.

ويرى تكين أن “من الواضح أنّ هذا الخط المتطرف بات يتحكم في القرارات السيادية والرسمية للسويد، وبالتالي يؤثر على مصالح هذه الدولة ولا يأخذ بعين الاعتبار مصالحها مع ملياري مسلم حول العالم ومع دولة استراتيجية مثل تركيا اليوم“.

ويضيف تكين في حوار هاتفي مع DW عربية أن “اليمين المتطرف بات يهيمن على قرار الحكومة السويدية ويهيمن على الإعلام في السويد وهذا طريق خاطئ ومظلم، وبالتالي على السويد، إذا ما أرادت علاقات جيدة مع تركيا ومع العالم الإسلامي أن تعمل على محاصرة هذا التيار المتطرف لديها وأن تتعامل مع الآخرين على قاعدة الاحترام المتبادل واحترام المعتقدات والمقدسات“.

ويؤكد تكين على أن “الموافقة على إحراق القران ستؤثر بكل تأكيد على علاقات ستوكهولم مع العالم الإسلامي وبالتالي ستدفع الثمن سياسياً واقتصادياً حتى أن الثمن لن يقف هنا وإنما سيمتد إلى الداخل السويدي حيث سيخلق هذا اليمين المتطرف كراهية بين أبناء المجتمع السويدي من مسلمين وغير مسلمين وهي مشكلة كبيرة“.

وفيما يعتقد البعض أن موافقة السلطات السويدية على التصريح بالمظاهرة المثيرة للجدل ربما جاء ليقين عند الحكومة السويدية بأن تركيا لن تسمح بأي حال بدخولها الى الناتو دون ان تتنازل عن موضوع حزب العمال الكردستاني، يرى تكين أن هذه الصورة ليست واقعية.

ويؤكد المحلل السياسي التركي أن موقف تركيا المبدئي يقول للسويد “عليك التخلي عن دعم التنظيمات الإرهابية ومراعاة مخاوفنا، وبالتالي يسمح لك بالانضمام إلى الناتو. كما أن موقف تركيا لم يكن نهائياً برفض انضمام السويد للناتو لذلك لا نستطيع أن نقول إن السويد أعطت الإذن بحرق القرآن لأنها أدركت أن تركيا اتخذت قراراً نهائياً ومطلقاً بمنع انضمامها للناتو”.

مظاهرة في أفغانستان اعتراضاً على حرق المصحف في السويد

يقول مسؤولون في دول إسلامية إن حرق المصحف هو عمل استفز مشاعر أكثر من ملياري مسلم حول العالم وأن الأمر تجاوز حرية التعبير عن الرأي

ويضيف تكين أن “قضية حرق القران هي قضية مستجدة على ساحة القضايا الخلافية بين تركيا والسويد وليست قضية ولدت من رحم المشكلة وهي مسألة زادت من حدة الخلافات بين البلدين وبالتالي أصبح موقف تركيا بعد حرق القران بسبب السماح الرسمي السويدي بهذه الفعلة الاثمة أكثر تعقيداً وصارت الخلافات أعمق وأصبح موقف تركيا الرافض لدخول السويد للناتو أشد بكثير”.

ويرى أنّ فنلندا أدركت هذا الأمر وحجم الخلافات الكبيرة بين تركيا والسويد وأدركت صعوبة انضمام الأخيرة للناتو فنأت بنفسها وأخذت مساراً منفصلاً عن السويد ووبدأت تتواصل منفردة مع أنقرة.

حسابات الانتخابات

من جهة أخرى يقول محللون مختصون بالشأن التركي إن التصريحات الغاضبة الأخيرة الصادرة من أنقرة لها علاقة بشكل أكبر بالانتخابات المقبلة في البلاد، إلى جانب محاولة الحد من نشاط المعارضة الكردية في أوروبا وخاصة في السويد.

يقول جورج دايسون، المحلل في شركة كونترول ريسكس الاستشارية، إن حرق القرآن والفيديو المصور الكردي لدمية أردوغان “يجعلان من الصعب تجاوز المأزق” بين تركيا والسويد.

ويعتقد تيموثي آش، كبير محللي الأسواق الناشئة في مؤسسة بلو باي اسيت مانيجمينت، أن تركيا تلحق أضرارًا جسيمة بتحالفاتها الغربية وأن الناتو قد يتوصل إلى خيار محوري بين تركيا ودول شمال أوروبا.

وأضاف آش: “نحن نقترب من الوصول إلى النقطة التي سيتعين على حلفاء الناتو اتخاذ قرار بشأنها بين تركيا من جانب وفنلندا والسويد من جانب آخر، وقال آش عبر تويتر: “ربما قام اردوغان بحساب المسألة وفقاً لمصالحه في الانتخابات ، لكن هذا سيضر في النهاية بالعلاقات طويلة الأمد مع الحلفاء الرئيسيين داخل الناتو“.

عماد حسن

document.addEventListener(“DOMContentLoaded”, function (event) {
if (DWDE.dsgvo.isStoringCookiesOkay()) {
facebookTracking();
}
});
function facebookTracking() {
!function (f, b, e, v, n, t, s) {
if (f.fbq) return;
n = f.fbq = function () {
n.callMethod ?
n.callMethod.apply(n, arguments) : n.queue.push(arguments)
};
if (!f._fbq) f._fbq = n;
n.push = n;
n.loaded = !0;
n.version = ‘2.0’;
n.queue = [];
t = b.createElement(e);
t.async = !0;
t.src = v;
s = b.getElementsByTagName(e)[0];
s.parentNode.insertBefore(t, s)
}(window, document, ‘script’,
‘https://connect.facebook.net/en_US/fbevents.js’);
fbq(‘init’, ‘157204581336210’);
fbq(‘track’, ‘ViewContent’);
}




الخبر من المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق