حكايات من دفتر أحوال صائدي الغرقى:« بنشوف الموت بعنينا»

 ◄ المالحى: 99% من حالات الغرق تظهر فوق سطح الماء .. ونتعرض للإصابات الشديد

◄زيتون: نتعرض لضغط نفسي كبير خلال البحث عن الجثامين

◄منصور: انتشال الجثث ليست مهنة للتربح .. وأهل المتوفى بـ «يتعلق بقشاية»

◄كريم حسن: الحل الوحيد والآمن لمشاكل الحواجز عمل شباك بين كل مصد وآخر وتحديد منطقة آمنة للسباحة

 

أسرار وحكايات من تحت الأعماق، حوادث الغرق زادت الفترة الماضية، والحزن خيم على أسر بأكملها، كان هناك أبطال بعيدة عن الأضواء، تطوعوا لانتشال جثث الغرقى، لجبر خاطر أهل المتوفى، إنهم غواصين الخير المتطوعين، يعيشون الأهوال تحت الماء، لستر جثمان غريق، حكايات يسطرها منقذين الخير، يتحدثون عن أغرب وأصعب الحالات التي ساعدوا فى انتشالها…

إيهاب محمد سعد المالحى خبير الغوص والإنقاذ وقائد غواصين الخير المتطوعين قال: “عملت فريق من 5 سنوات أطلقت عليه غواصين الخير المتطوعين، واخترت منهم الناس المتميزة لمساعدتي فى الإنقاذ، عملت فى الإنقاذ لوجه الله تعالى، أدرب زملائي، وكل من يريد تعلم الغطس مجانًا.

ذكريات محفورة

«أكثر الحالات التي أعطت لي شهرة  حالة محمد حسن غريق كوبري ستانلى الشهيرة، وغريق دمياط الدكتور أحمد مجدي، وحسام توتو من ادكو، وكانت أصعب حالة مرت علىَ،  كانت المياه غامقة والبحر مرتفع جدا، وكنت أبحث عن الجثمان بدون رؤية، وفى هذا الحادث قمت لملئ التنك مرة أخرى، وبفضل الله وصلت للجثمان، استمر البحث حوالي ساعة ونصف تقريبا»، كانت كلمات قائد غواصين الخير المتطوعين.

وأضاف المالحى قائلًا: «كل يوم نستيقظ على حادث غرق جديد، ولكن حادثة النخيل الأخيرة حادثة لا تُنسى، لوجود عدد كبير من الغرقى، البحر كان عالي جدا، وكنا بندور عليه فى وسط أجواء صعبة للغاية، وكنا نشعر بعدم جدوى البحث، ولكن استمرينا لجبر خاطر أهل الغريق، كنا بندور على الدواسر من فوق ونشم الريحة»

اقرأ أبضا:«المحميات» تناشد الغواصين إنقاذ دولفين من خيوط الصيد بالغردقة | صور

 وأشار المالحى إلى أنه يطلب فى حالة وجود  بلاغ لغريق جديد، يتم طلب صورة الغريق وسنه ومكان الغرق ورقم هاتف للتواصل، ويتم رفع البلاغ على الجروبات للتواصل مع غواصين الخير، فلدينا ٥ جروبات على الفيس، ويتم عمل خطة للانتشال، ويوجد  حوالي ٦٨ ألف غطاس على مستوى الجمهورية، فى كل جروب، ويوجد أكثر من ٢٠ ألف غطاس، ولا يتم إجبار أحد على الذهاب.

 

.

حكايات وأسرار

قال إيهاب المالحى إن ٩٩٪ من حالات الغرق تظهر فوق سطح الماء، فالغريق غالبا يتواجد ٣ أيام تحت المياه، وفى حالة عدم رؤية أحد له، من الممكن أن يتحلل ويختفي تمامًا، لكن وجود الصخور يساعد فى تواجد الغريق وقت أكبر، ومادام البحر لا يوجد به صخور فالغريق يظهر على سطح المياه عندما يكون البحر مرتفع، وفى حالة  انخفاض منسوب البحر يتواجد تحت سطح المياه يوم أو يومين، وبعدها يظهر على السطح، والحالات التي تتأخر يكون بسبب تواجدهم فى الصخور.

أصعب الحالات

أكد المالحى أن من أصعب المواقف التي تعرض لها كانت فى انتشال جثمان غريق ادكو، لأن المياه كانت مظلمة، قائلًا: «لما لقيته بين الصخور حاولت إخراجه، وتعرضت للاصطدام فى الصخور، ومرة واحدة ملقتش هوا ولكن تداركت الأمر وتمالكت نفسي وخرجت تدريجيا،  واللي ساعدني أن العمق مكانش كبير».

اقرأ أيضا:إعادة الشباب لـ«السكة الحديد».. عربات وجرارات جديدة تدخل الخدمة

وأكد المالحى أنه لا يخاطر بأى فرد من زملائه وممنوع نزول أي شخص بمفرده، على الأقل يكونوا فردين مع بعضهم، والتحرك يكون مجموعات ومن خلال خطة قبل النزول.

.

جنازة مهيبة

قال قائد غواصين الخير المتطوعين إن جنازة الشاب نور غريق بلطيم كانت رائعة، شارك فيها أكثر من ١٠٠ ألف شخص، ورأيت بعيني الحمام يطوف حول قبره، الناس كلها كانت تحبه وتحترمه.

وأكد المالحى أن الغطاسين يكونوا على الأقل فردين، أحدهم بسكوبة (أي يرتدى تنك أو اسطوانة) وآخر بدون اسطوانة، ويتعلق هذا الشخص بـ «كلومة» أو شمندورة بحبل، للموجود تحت المياه، والموجود من أعلى يكون متعلق بالشمندورة، فمن الممكن تعرض الموجود بالأسفل للتعلق بين الصخور، ويكون هناك علامات بينهم حتى يستطيع جذبه.

قال المالحى إن الإنقاذ فى مياه النيل يختلف عن مياه البحر، فالأول مياهه مظلمة والرؤية معدومة، والمياه جارية لذلك الغريق لا يتعلق بصخور، وفى الغالب الغريق يطفو على سطح الماء، ولكنه يكون فى مكان آخر لأنه يتحرك مع التيار، وذلك عكس مياه البحر، 50% يظهر على السطح، و50 % يكون بين  الصخور، البحر يكون أسهل عندما تكون المياه كاشفة، لكن عندما تكون غامقة يكون البحر أشد من النيل، إذا كانت مياه النيل والبحر ساكنين تكون مياه النيل أصعب، والبحر عندما يكون مرتفع يكون صعب جدا مع الصخور وتحدث إصابات كثيرة.

أشرف محمد زيتون منقذ، من ادكو، وظيفته الأساسية محاسب في إحدى الشركات، كان فى البداية الغطس هواية بالنسبة له، ولكنه احترفه بعدها واستطاع المشاركة فى حملات البحث عن الغرقى، من مختلف المحافظات، قال زيتون: «من وقت رؤيتي للكابتن المالحى فى ادكو، وبعد انتشال جثمان أحد الغرقى، ورأيت حب الناس له، وتفانيه فى البحث عن الجثمان لمجرد جبر خاطر أهل المتوفى، وأنا قررت أشارك فى هذا العمل الإنساني، لأنه كان محفزا لى، وكنت أريد إخراج طاقتي فى الخير، وبالفعل تمرنت كثيرا وشاركت معه أكثر من مرة فى الحوادث».

اقرأ أيضا:مراكز بيع الأدوية البيطرية «مولد وصاحبه غايب»

«الحافز الوحيد اللى بيخلينا ننزل ندور على غريق هو مواساة الأب والأم المكلومين، احنا بنسمع زغاريط من أهل الغريق لما جثمانه بيطلع، فى الوقت ده بنسمع دعوة مفيش أجمل منها أننا جبرنا بخاطرهم، أنا مش عاوز غير دعوة حلوة من أهل المتوفى ومعاها بنسى الدنيا»، وصف بهذه العبارة أشرف زيتون شعوره عند مشاركته فى انتشال جثامين الغرقى.

ضغط نفسي

«نتعرض لضغط نفسي كبير خلال البحث عن جثمان غريق، لأننا نشعر بأن أهل المتوفى أملهم فينا كبير، وبنبقي عاوزين نجبر بخاطرهم»، تلك كلمات زيتون، مضيفًا أن أصعب الحالات التي تعرض لها كانت فى انتشال غريق بلطيم، فبعد فقد الأمل فى ظهوره استطاعوا انتشاله فى اليوم الحادي عشر، وكان والده صلى عليه صلاة الغائب، كانت طبيعة العمل فى البحر فى ذلك الوقت صعبة للغاية بسبب ارتفاع منسوب البحر والتيار شديد، والصخور قريبة ويوجد دوامات، وبالتالي فالوضع صعب للغواصين، ونزولهم البحر يعتبر بمثابة موت فى انتظارهم فى أى وقت، ولكن نظرة والد ووالدة المتوفى كانت تجعلهم مصّرين على النزول والبحث وعدم فقد الأمل، بالرغم من إصابة فريق الغواصين المشاركين سواء في بلطيم أو النخيل بإصابات كبيرة، ومازالوا يتدوان منها، قائلًا: «أنا اتصبت فى ظهري بسبب الاحتكاك بالصخور أثناء البحث، فى مكان لا يسمح بارتداء أسطوانة الأكسجين على الظهر، فقومت بحملها بين يدي وظهري للصخور لتفادى ارتطامها بالصخور وحدوث انفجار».

رؤية محققة

«منذ عملي بالإنقاذ وأسمع قصص كثيرة، وإشاعات طول وقت البحث عن الغرقى، وفى أغلب الأحوال نتعلق بأي شئ يمكن أن يكون دليل وعلامة للوصول للجثمان، ولكن أغلب ما سمعناه إذا كان ما يتحقق منه نسبته بسيطة، لكن الرؤية التي تحققت بالفعل، كانت لنور غريق بلطيم، الذي جاء لوالدته بالمنام، وقال لها: “أنا وسط الصخور يا أمي بس مش هطلع طول ما الناس دى كلها موجودة، مش عاوز حد يشوفني”، وبالفعل والدته أبلغتنا برؤيتها وتقريبا وصفت لنا مكان ابنها وطلبت منا قائلة: “لو فى نصيب ولقيتوا ابني مش عاوزه حد يشوفوا»، وبالفعل هذا ما حدث، وكانت طبيعة المكان الموجود به فرضت عدم رؤية الجثمان إلا لمن يقوم بانتشاله، وتم ستر الأمانة كما طلب من أمه، وتم تشبيه هذا المكان بالقبر، لأن الجثمان دخل من مكان ضيق جدا واستقر فى مكان ضرب الموج لم يطله، كأنه من أجل الحفاظ عليه، وربنا حفظه حتى خروجه بسلام، ووالدته تأكدت منه من الشورت والحزام الذي كان يرتديه

وأكد زيتون على أن فريق الإنقاذ يستمر فى البحث عن الغريق حتى يقرر أهله أنهم فقدوا الأمل وسيصلوا صلاة الغائب عليه، وعند النزول للبحر فى رحلة البحث لابد من دراسة اتجاه الرياح ويتم حساب مكان الغرق والمكان الذى من الممكن أن يكون تحرك فيه الجثمان، ويتم البحث فى أقرب حاجز صخري أو أقرب مكان يوجد به شباك من الممكن أن يتوقف الجثمان لديها، أما فى حالة البحث فى مياه النيل، فيكون اتجاه الماء واحد، ويتم البحث عند أقرب بوابة، وتغيير مكان البحث فى كل يوم لإيجاد الجثمان، أما البحث فى مياه الترعة يكون صعب بسبب ظلمة المياه التي تعوق الرؤية تحت الماء، ووجود مخلفات أيضا تعوق المنقذ أثناء البحث.

مش مهنة

محمد منصور، مهنته مدرب غوص، حاصل على دورات عديدة فى الغوص، منها غوص الكهوف والغوص العميق، فضلا عن دورات الإسعافات الأولية خارج وداخل الماء، وتطوع منذ أكثر من ٥ سنوات فى الإنقاذ.

قال منصور: «الإنقاذ وانتشال الجثث مش مهنة أتربح منها، مش هينفع الناس تكون فى مصيبة وأروح أزودها عليهم، الواحد بيحس بهم لأنهم بيتعلقوا بقشايه»، مضيفا أنه تعرض لحادث غرق وهو فى سن صغير، ومن وقتها لعب السباحة، واستمر فى التعلم، والحصول على الدورات والكورسات فى الغطس

وأكد منصور أنه تعرض لمواقف صعبة أثناء انتشال الجثامين، كانت من أكثرها انتشال غرقى حادثة شاطئ النخيل وبلطيم، البحر كان عالي جدا و«ملتم»، ومعدوم الرؤية ودوامات، وكان البحث فى الليل والنهار لتكثيف البحث عن الغريق، كل هذه العوامل كانت تجعل البحث صعب جدا، خاصة مع وجود التنكات، لأنها مثل القنبلة، وأكثر من مرة تعرض للاصطدام بالصخور، وحاول تفادى الموقف باحتضانه للتنك”.

كريم حسن غواص إنقاذ ومنقذ ومدرب سباحة، قال إنهم يتعرضون لمواقف صعبة أثناء انتشال الغرقى، وعلى الجمهور الذي يتجه لشاطئ  الموت الابتعاد عنه لأنهم غير مدركين مدى الضرر الواقع عليهم، والذي يفقدهم حياتهم وحياة أبنائهم.

وأضاف حسن أن من الحالات الصعبة التي شارك فيها كانت لحالة كوبري ستانلي، بسبب ارتفاع مياه  البحر، والمنطقة ضيقة، وممنوع النزول بتنكات، ووجود صخور وأسياخ حديد، وهو ما عرض الفريق المشارك للإصابات، ولأن الرؤية كانت معدومة كانوا يتحسسوا، خاصة أن البحر فى حالة هياجه يقلب الرمل ويُحدث تشويش فى الرؤية، والمشاكل دائما تحدث فى الأماكن الضحلة التي تكون الارض قريبة، أما فى الأعماق تكون الرؤية أفضل.

وأكد حسن على أن الحل الوحيد والآمن لحل مشاكل الحواجز هو عمل شباك بين كل مصد وآخر، ويتم عمل منطقة آمنة للسباحة، وإلقاء حبل به عوامات بالطول من بداية المصد لنهاية الشاطئ الرملي ويكون أشبه بحمام سباحة، والجزء الآخر يكون به شبك ليكون حائط صد لأي حالة غريق ويتم حجزه عن طريق الشباك ويستطيعوا انتشاله.

الموضوع من المصدر

الكلمات الدلالية
إعلان

إقرأ أيضاً:

إغلاق