د. محمد مبروك يكتب: قيمة الفن المصري

عندما تسافر إلى احدى الدول العربية لا تجد أي صعوبة في فهم اللهجة المصرية التي تتحدث بها، فإذا كنت من سكان القاهرة وضواحيها وتنطق حرف الجيم دون تعطيش أو تنطق القاف ألفًا فلن تجد إلا تجاوبًا ممن تتحدث معهم دون أي التباس في المعاني، وإذا كنت من سكان الدلتا أو الصعيد وتتحدث بلكنتهم فسيفهمك الجميع أيضًا، أما إن كنت من سكان المدن الساحلية كالإسكندرية وبورسعيد فلن تجد إلا الفهم دون صعوبة تُذكر إذا تحدثت كذلك.

فقد استطاع الفن المصري على مدار عقود طويلة أن ينقل الثقافة المصرية بتنوعها إلى كافة الدول العربية عبر الأفلام التي تنتجها السينما المصرية والتي بدأت مبكرًا مع نهاية القرن التاسع عشر، كما أن فن المسرح قد بدأ أيضًا مبكرًا في مصر منذ عام 1885 ليعرض المسرحيات التي تناقش قضايا المجتمع وتجسد الروايات التي ألفها الكتّاب والمبدعون في مختلف العصور مما جعل من القاهرة عاصمة للثقافة العربية يأتي إليها الزائرون لينهلوا من نبع الثقافة المتدفق من دور السينما والمسرح التي تزينها جنبًا إلى جنب مع آثارها التي تفوق كل الآثار الموجودة في العالم أجمع.

لقد كان افتتاح الأوبرا المصرية عام 1869 دليلًا على حَمل مصر شعلة التنوير والثقافة في اقليمها وقتما كانت المنطقة من حولها محض صحراء لم يطلها التطور ولا التعمير مما جعل من مصر مركزًا للإشعاع الحضاري والثقافي الذي حافظ على مكانتها بين الأمم إلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض وما عليها…

وإذا كان دور مصر التنويري والثقافي عبر فنها وفنانيها مدعاة للإعجاب، فإنه في بعض الأحيان يكون سببًا في الحقد على هذا الدور ومحاولة للتقليل منه أو حتى هدمه من بعض ضعاف الثقافة والمعرفة أو المتأثرين بحياة البداوة التي لم تطلها الحضارة ولم يصل لعقولها أو لقلوبها النور…

إن وصم فناني مصر جميعهم بصفات مهينة أمر لا يقبله المصريون الذين أحبوا الفن وتأثروا به، ذلك الفن الذي أتى بسيدة الغناء العربي أم كلثوم وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي، والذي قدم لنا عبد الحليم حافظ ونجيب الريحاني ويوسف وهبي وعمر الشريف، هو من أتى بفاتن حمامة وإسماعيل ياسين وعادل إمام ونور الشريف ومحمود عبد العزيز وأحمد زكي ويسرا وإلهام شاهين وغيرهم من قائمة طويلة من الفنانين والمبدعين بين الماضي والحاضر لن يتسع المقام هنا لذكرهم جميعًا، بل إن هذه القائمة تحتاج إلى موسوعة للإحاطة بها…

إن اختزال قيمة الفن المصري العريقة في بعض الممارسات المرفوضة التي قد تصدر من بعض المنتسبين إليه كما تصدر من بعض المنتسبين إلى أي مجال آخر اعتمادًا على شهرة هؤلاء المنتسبين لهذا الفن أو الزخم الإعلامي من حولهم هو ظلم بَيّن لأحد أهم أسلحة مصر السلمية التي تهبها المكانة الثرية والمتميزة بين باقي الأمم وانتقاص انتقائي من قدر هذه القيمة…

لا يُعد انحراف بعض من ينتسبون إلى الطب أو المحاماة أو غيرها من المهن المُقدرة من المجتمع سببًا في ازدراء هذه المهن التي يحترمها الجميع ويحتاجون إليها، وإنما في الأخير يُعد هذا سلوكًا فرديًا لا يضر إلا صاحبه، وبالمثل، إن ما يشاع عن انحراف سلوكي لأي ممن ينتسبون إلى الفن الجميل لا يضر بسمعة الفن المصري العظيم ولا القيم المصرية الأصيلة وإنما يبقى ملتصقًا بصاحب الفعل دون المهنة على عمومها…

إن الكلمة مسؤولية ولا يجب أن تكون في غير موضعها كما يجب التفكير بما يقال جيدًا قبل البوح به لا سيما إذا كان على الملأ وتحت التغطية الإعلامية، فإن الكلمة نور… وبعض الكلمات قبور…

وكما قال المولى عز وجل في كتابه العزيز “فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلْأَرْضِ” فلن يبقى إلا القيمة الطيبة التي تترك الأثر الطيب على المجتمع، وما دون ذلك فسيسقط من ذاكرة التاريخ…

فليبق الفن المصري الجميل الذي طالما ما شكل وجدان المصريين والعرب وكان سلاحًا قويًا في أوقات الحرب مَثله كمَثل الدبابات والبنادق، كما أنه كان شعاعًا من نور أضاء العقول ويستمر في اضاءتها في أوقات السلم…

عاشت مصر عظيمة بشعبها العظيم وفنها وفنانيها ومبدعيها الذين هم في القلب منها.

 

المقال من المصدر

الكلمات الدلالية
إعلان

إقرأ أيضاً:

إغلاق