د. محمد مبروك يكتب: مصر الأمس واليوم

قَدْ تَنَكَّرَ اَلْعَيْنُ ضَوْءَ اَلشَّمْسِ مِنْ رَمَدٍ، وَيُنْكِرَ اَلْفَمُ طَعْمَ اَلْمَاءِ مِنْ سَقَمٍ

 لَكِنَّ مَا شَاهَدَتْهُ بِالْأَمْسِ، لَا تُنْكِرُهُ عَيْنٌ وَلَا يَغْفُلُهُ قَلْبُ مِنْ لَحْمٍ وَمِنْ دَمٍ

فقد فاق مشهد نقل المومياوات الملكية من المتحف المصري بالتحرير إلى المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط كل التوقعات، وتماهت خيوط الدقة والإتقان معًا مكونةً صورة مُشرقة ومُشرّفة لمصر العظيمة في مشاهد وقف العالم لها إكبارًا لقيمة مصر الحضارة التي وصلت ماضيها التي تزهو به بحاضرها الجديد الذي آن لها أن تفخر به 

تعجز الكلمات عن وصف هذا المشهد الذي تابعه العالم أمس على شاشات التلفزة لما به من عظمة ورقي وإجادة لا بد أنها ستُتعب كل من يحاول محاكاتها في المستقبل، فقد قدمت مصر فاعلية تليق بقيمة هذا الحدث الكبير، وكان الجميع على مستوى المسؤولية، فصياغة سيناريو الحدث من بدايته إلى النهاية كان غاية في المهنية والإبداع كما أن توزيع الأدوار ونقل الصورة من أماكن مختلفة في نفس الوقت كان عالميًا، بل إنه قدم نموذجًا يتعلم العالم منه في إخراج مثل هذه الأحداث التي ليس لها مثيل في الواقع، فمَن مِن العالم لديه هذا العدد من مومياوات لملوك عاشوا على الأرض منذ آلاف السنين؟، مَن مِن الأمم لديها هذا الكم من الثراء الثقافي والتراث الحضاري، لا أحد سوى مصر

كل ما تم تقديمه في أمسية الأمس يدعو للفخر بهذه الكنانة، ويعلو بمشاعر الوطنية المتدفقة، حيث استطاع القائمون على إعداده من إنتاج وإخراج وتقديم وموسيقى وباقي عناصر العمل أن يصلوا لقلوب المشاهدين، فقد كانت كل كلمة وحركة وجملة موسيقية في موضعها تمامًا، حتى ما قام به د. خالد العناني وزير السياحة والآثار من تقديم للسيد الرئيس وشرح لمحتويات المتحف القومي للحضارة المصرية كان ملهمًا للجميع، فقد كانت كلماته تخرج من سويداء الفؤاد قبل مرورها على العقل المتزن والمُرتب الأفكار والمتسلح بالعلم الغزير، لتصل إلى أفئدة كل متابع لهذا الحدث، وقد كان حضور الرئيس السيسي رائعًا بمعنى الكلمة، مجسدًا لروح الوطنية، مستلهمًا عِزة وشموخ هذا الوطن من ماضيه العريق، ومدركًا لقيمته التي ليس كمثلها قيمة، وقائدًا لمسيرة الوطن الذي يُعاد بناؤه بسواعد أبنائه المخلصين بالعلم والعمل

إن نجاح هذه الفاعلية بالأمس لم يكن فقط للترويج السياحي ونشر قوى مصر الناعمة للعالم، وإنما – من وجهة نظري – إنه كان أقوى من ذلك بكثير، فقبل أن يقدّم للعالم هذه الصورة الفريدة عن مصر الماضي والحاضر، قد استحثَّ في المواطنين في الداخل كل مشاعر الانتماء والوطنية والحب لهذه الأرض الطيبة التي دائمًا ما تهب أبناءها جينات الكرامة والزهو بين الأمم،

لقد ازدادت مشاعر الانتماء بشكل مُلفت لدى كل من تابع هذا الحدث لما قدمه من إبهار حقيقي مَبني على حقائق راسخة، لكنه قدمها بصورة جديدة مبتكرة لم نعهدها نحن ولا العالم من قبل، لذلك كان التأثير بهذه القوة

فهنيئًا للعالم بوجود درة تاجه – مصر – وهنيئًا لمصر بماضيها وحضارتها الفريدة وحاضرها السعيد الذي يقدم النموذج الملهم لكل الشعوب التواقة إلى التقدم والازدهار.

المقال من المصدر

مساحة إعلانية - ضع إعلانك هنا
الكلمات الدلالية
إعلان

إقرأ أيضاً:

إغلاق