ربيع دهام يكتب: القانون فوق الجميع (قصة قصيرة)

«أين حقيبتنى؟ آه. ها هى». «أين هاتفى؟ تذّكرت. نسيته في الحمّام». «أين الحمّام؟ ما بك؟ ستّ سنواتٍ في هذا البيت والآن تسأل؟». «كم الساعة الآن؟ يا إلهى. تأخرّتْ». زحمةُ الوقتِ في المنبّه أحدثت زحمةً مماثلة في أفكاره. بسرعةٍ، استلّ هاتفه الجوّال. حمل حقيبته. ركض نحو الشارع. واستقلّ أول تاكسى صادفه. «إلى مدرسة التعايش حالاً».

لديه امتحان في مادة التربية الوطنية. في التاكسى، قرّر مراجعة ما درسَه ليلة البارحة. فتح الصفحة 10، وراح يردّد: «القانون فوق الجميع». أعادها ثلاث مرات في رأسه ومرة في معدته. وفى كل مرة، كان يتخيّل آلة القانون وهى تصدح فوق رؤوس العازفين، ويسأل نفسه: «كيف تطال أصابعهم أوتارها وهى فوق رؤوسهم؟».

ويفكّر ويفكّر ويفكّر. وبعد أن يخذله تفكيره يستنتج: «دع ما لقيصر لقيصر… الموسيقيون أدرى بشؤونهم منّا». ثم يعود إلى الصفحة 4: «مثلما أن للمواطن حقوقا، فلديه واجبات أيضاً». «آخ! واجب الرياضيات. كيف نسيته؟ يا لغبائى. ماذا ستقول المسز جونبون الآن؟ ممم. لا أحب المسز جونبون هذه. ستوبّخنى بالطبع. ستجعلنى أقف مثل الأسير على الحائط، وتأمرنى أن أرفع يدىّ. ألأننى طفلٌ ضعيف؟ كيف لو كانت تحمل بندقية؟ ماذا كانت لتفعل؟ بالتأكيد ستطلق علىّ النارى.

تباً لهذا العالم الذي ليس فيه قانون… قانون؟… متى ينزل من فوق رؤوس العازفين ويصبح معنا هنا، على الأرض؟». يُدرك أنه يضيّع الوقت بأسئلته الغبيّة تلك، فيعود بسرعة إلى المذاكرة. الصفحة 5: «الكل يتساوى أمام القانون». «القانون مجدداً؟». لطالما حيّرته هذه الجملة. «كيف يقولون إن القانون فوق الجميع، ثم يقولون الكل يتساوى أمامه؟، أين هو القانون؟ أفوقهم أو أمامهم؟.. لا بد أن هناك خطأ ما. أكيد». بعد هذا، يقرأ في ذات الصفحة: «مكان المهملات هو السلّة». تلك الجملة يكرهها. هي مثل زيت الخروع للسانه. زيت الخروع.

أقرف من الواجبات المدرسية. لا. هناك أقرف. هذه الجملة بالتحديد: (مكان المهملات هو السلّة)… «لماذا يحتقرون كرة السلّة؟. ثم يكمل: ويحبّون كرة القدم؟ لماذا هذا التمييز العنصرى؟ لماذا هذه التفرقة؟ أليس هذا وطن التعايش التي تتغنى به فيروز؟». يتذكّر. الناظرة فيروز؟ تُرى كيف أصبحت؟. يعود إلى الصفحة 2: «فى وطنى، لا فرق بين الأديان والطوائف». ردّدها سبع مرّات قبل أن يعود إلى الناظرة فيروز. «مسكينة. لقد تأذّت كثيراً. لماذا دخلت حارةٍ ليست لطائفتها؟ ألا تدرى خطورة ذلك في بلدى؟». يردّد الجملة مرة ثامنة: «فى وطنى، لا فرق بين الأديان والطوائف».

ثم التاسعة: «فى وطنى، لا فرق بين الأديان والطوائف». ثم العاشرة: «فى وطنى…» مجدّدا يفكّر بالناظرة: «الرمحُ المسنّن. بعد أن أُطلِق من إحدى البنايات باتجاه جبينها، أصاب عينها اليسرى… اليسرى؟… أو هي اليمنى؟…لا لا اليسرى… ثم بترها إلى اثنين. مسكينة الناظرة فيروز… صار لديها ثلاث عيون. يا إلهى!… يوم كان لها عينان، كانت تراقبنا مثل الأقمار الصناعية، كيف الآن ولها ثلاثة عيون؟». وصل التاكسى إلى المدرسة. ترجّل الطالب. حقيبته على ظهره. جُمله في رأسه. أو العكس؟..لا أعرف.

دخل الصف بكل ثقةٍ. وبكل ثقةٍ جلس على المقعد المعتاد. حافظ درسَه جيداً. انتظر دخول أستاذ التربية. دخلت المسز جونبون. «ما بها؟ هذه ليست حصّتها؟»، قال في نفسه. وقفت المسز جونبون أمام الطلاب وصدحتْ: «لم يستطع أستاذ التربية أن يأتى اليوم. لذا، أنا سأحلّ مكانه. هذا أفضل حلْ. أحللتم واجب الرياضيات؟». تجرّاتُ وسألتها: «مِــس. لماذا لم يأتِ الأستاذ؟». أجابتنى، رافعةً أصابعها إلى الأعلى- لاحظنا وجود أذنا طالب معلّقةً فيها: «ضُبِط وهو يحاول تعليق خط غير شرعى على كابل الكهرباء بهدف السرقة؟».

قفز أحد الطلاب صائحاً: «لكن يا مِس. ماذا يسرق؟ أهناك كهرباء ليسرقها؟». صوت زمّور الخطر يزلزل أرواحنا. خطأ في التشخيص. هذا صوت المسز جونبون وهى توبخّ الطالب على إهانته الفظّة والعلنية لدولته. تتساقط أقلامنا من أيادينا وآذاننا من جماجمنا. تُنهى المسز جونبون سيمفونية رعدها، بعد هدوء العاصفة: «لقد وقع أستاذ التربية بشباك القانون». ثم استدارت وراحت تصحّح على اللوح، واجب الرياضيات. وبينما كانت هي تكتب وتسألنا، كنتُ أنا أنقلُ وبدورى أسأل: «ترى ماذا كان يفعل أستاذ التربية فوق رؤوس العازفين».






الخبر من المصدر

مساحة إعلانية - ضع إعلانك هنا
الكلمات الدلالية
إعلان

إقرأ أيضاً:

إغلاق