فيروسات قادرة على التهام أمراض الإنسان.. تعرّف عليها

يحظى العلاج بالعاثيات (ملتهمات البكتيريا)، بقبول واسع بوصفه حلا محتملا لمشكلة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، لكن التحديات التنظيمية قد تكون العقبة الكبرى أمام إجازة هذا النوع من العلاج.

وتعرف العاثيات، بحسب «بي بي سي» بأنها نوع من الفيروسات التي تلتهم البكتيريا عن طريق إصابتها والتكاثر داخلها حتى تنفجر وتموت، وهناك الملايين من ملتهمات البكتيريا على كوكب الأرض، وقد تطورت على مدى آلاف السنين مع البكتيريا التي تتغذى عليها وساهمت في الحد من أعدادها والحفاظ على التوازن الطبيعي.

وكان فيليكس ديريل، عالم الأحياء الدقيقة الذي ينحدر من أصول فرنسية وكندية، هو أول من استخدمها في أغراض علاجية في عام 1919، إذ استخدم العاثيات في علاج صبي يعاني من دوسنتاريا حادة. لكن اكتشاف البنسلين في عام 1928 سرعان ما طغى على العلاج بالعاثيات ومهّد إنتاجه على نطاق واسع في الأربعينيات من القرن الماضي لدخول عصر المضادات الحيوية.

وكاد دور العاثيات في العلاج يذهب طي النسيان لولا جهود ديريل وجورج إليافا، العالم الشاب الذي ينحدر من جورجيا وسافر إلى فرنسا في عام 1923 بهدف دراسة اللقاحات. لكن ديريل الذي التقاه في معهد باستور أثار اهتمامه في المقابل بالعاثيات، وأسس إليافا في جورجيا- بالتعاون مع ديريل- أول معهد أبحاث ومركز علاجي في العالم مخصص لاستخدام العاثيات في علاج العدوى البكتيرية.

لكن إليافا، كشأن آلاف المفكرين في عصره، لم يكن على وفاق مع نظام جوزيف ستالين ما أدى إلى إعدامه في عام 1937. ورغم ذلك، لم يتوقف الدعم السوفيتي للأبحاث في مجال العلاج بالعاثيات في نفس المعهد الذي أسسه إليافا.

وتقول مزيا كوتاتيلادزي، مديرة معهد إليافا: «كان العلاج بالعاثيات جزءا من نظام الرعاية الصحية الرسمي في عهد الاتحاد السوفيتي. وكان الأطباء يستخدمون إما العاثيات أو المضادات الحيوية لعلاج المرضى، بحسب حالتهم الصحية ونوع العدوى».

وبعد انفراط عقد الاتحاد السوفيتي، واجه المعهد صعوبات شديدة، ما حدا ببعض الباحثين لاختزان مستنبتات الفيروسات الملتهمة للبكتيريا في منازلهم لإنقاذها. وأدت هذه المستنبتات دورا كبيرا في إعادة العلاج بالعاثيات إلى دائرة الضوء.

وتقول كوتاتيلادزي: «استغرق إقناع الناس بإمكانية استخدام العاثيات في الأغراض العلاجية وقتا طويلا. لكن مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية عجلت بجهود البحث عن بدائل للقضاء على البكتيريا».

وواجه المعهد تحديات جمّة عند عرض أبحاثه دوليا في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، واستقبل أول مريض أجنبي في عام 2001 بعد مؤتمر في مونتريال. وكان المريض الكندي يعاني من عدوى بكتيرية في العظام لم تفلح المضادات الحيوية في علاجها. وعندما نجح العلاج بالعاثيات في القضاء على العدوى بدأت المقالات الإخبارية تشيد بهذا الإنجاز، وسرعان ما توافد المرضى على معهد إليافا من مختلف أنحاء العالم.

ووصفت منظمة الصحة العالمية مقاومة مضادات الميكروبات بأنها أزمة صحية عالمية، ومن المتوقع أن تؤثر على ما يصل إلى 30 مليون شخص بحلول عام 2050، وفي حالة مرضى التليف الكيسي، قد تصبح مقاومة البكتريا للمضادات الحيوية هي النتيجة الحتمية للاستخدام المفرط للمضادات الحيوية.
وعولج الملايين بالعاثيات في الاتحاد السوفيتي السابق، ويستقبل الآن معهد إليافا مئات المرضى من مختلف دول العالم سنويا. لكن العلماء الغربيين لم يستأنفوا الأبحاث عن استخدام العاثيات في العلاج ويجرون تجارب لتنظيم استخدامها للأغراض العلاجية إلا منذ نحو عقدين فقط.

وقد أجريت أول تجربة سريرية أوروبية في فرنسا لاستخدام العاثيات في علاج الحروق الملوثة وفقا لمعايير إرشادية طبية صارمة، واستمرت التجربة التي مولتها منحة من اللجنة الأوروبية قدرها 3.8 مليون يورو، من عام 2013 إلى عام 2017، لكنها توقفت مبكرا لأسباب عديدة، منها عدم العثور على عدد كاف من المتطوعين، بالإضافة إلى مشاكل أخرى تتعلق بثبات العاثيات أثناء التخزين، واستغرق تصنيع العاثيات وفقا لممارسات التصنيع الجيدة عامين.

وأصيب مؤيدو استخدام العاثيات في العلاج بخيبة أمل بعد فشل التجربة، وتقول كوتاتيلادزي: «إن إخفاق هذه التجربة سيؤثر على مفهوم العلاج بالعاثيات برمته». وترى أن نوع العاثيات المستخدمة في التجربة وجرعاتها وطريقة استخدامها لم تكن مناسبة لنوع العدوى لدى المرضى.

وتقول إن العاثيات ينبغي اختيارها بعناية لتناسب البكتيريا التي ستصيبها للحصول على أفضل النتائج. وينبغي تحديث المستحضرات الطبية باستمرار، ولهذا من الصعب إعداد مستحضرات طبية من العاثيات تلبي المعايير الغربية المصممة لمضادات الميكروبات التقليدية.

لكن رغم عيوب التجربة الفرنسية، فإن دور العاثيات في إنقاذ حياة توم باترسون الأمريكي والمراهقة البريطانية إيزابيل كارنيل هولداواي من بكتيريا خارقة لا تستجيب للمضادات الحيوية، حظى بتغطية إعلامية واسعة. ففي كلتا الحالتين استخدمت العاثيات بموجب نص «الاستخدام الرحيم للأدوية غير المعتمدة» الذي يجيز استخدام الأدوية التجريبية كملاذ أخير بعد إخفاق جميع محاولات إنقاذ المريض.

وتجيز دول متقدمة عديدة، مثل المملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة، الاستخدام الرحيم للعاثيات بحسب حالة المريض، لكن دوبلانشيه يقول: «إن انتظار وصول المريض إلى مرحلة حرجة حتى يسمح لنا بعلاج مرضه أمر سخيف».

وتعد بلجيكا أول دولة متقدمة تجيز استخدام العاثيات في صورة تركيبات دوائية يحضرها الصيدلاني بناء على وصف الطبيب، ونشر جين بول بيرناي، مدير الأبحاث بمستشفى الملكة أستريد العسكري في بروكسل، ورقة بحثية تتضمن التوصيات الخاصة باستخدام المستحضرات القائمة على العاثيات في العلاج في بلجيكا، منها إقامة بنك لحفظ الفيروسات الملتهمة للبكتيريا المعتمدة والتي خضعت للتجارب لاستخدامها في المستحضرات.

ويرى بيرناي أن العلاج بالعاثيات سيصبح بفضل هذه التطورات، علاجا بديلا للمضادات الحيوية على مستوى العالم مستقبلا. ووصف ذلك بالتفصيل في دارسة العلاج بالعاثيات في عام 2035، وهي ورقة علمية مفعمة بتفاصيل قصص الخيال العلمي تسرد مستقبلا مظلما يتميز بالانفجار السكاني واختلال النظم البيئية والاحترار العالمي وكراهية الأجانب، ويساعد الذكاء الاصطناعي في مكافحة الأمراض من خلال اختيار العاثيات المناسبة لكل عدوى بكتيرية.

لكن العدوى الناتجة عن مقاومة مضادات الميكروبات تحصد الآن أرواح نحو 700 ألف شخص سنويا، ولهذا شددت منظمة الصحة العالمية مرارا على وضع إيجاد بدائل للمضادات الحيوية في مقدمة الأولويات، مع أنها لم تذكر احتمالات استخدام العاثيات في العلاج رسميا.

وبخلاف العقبات التنظيمية، فإن العاثيات تعد منتجات بيولوجية لا يمكن تسجيل براءة اختراع بشأنها، ولهذا تعزف معظم الشركات الصيدلانية عن تمويل أبحاث تطويرها كمستحضرات علاجية. ويخشى الباحثون أيضا من أن تطور البكتيريا مناعة ضد العاثيات، وقد استطاعوا حتى الآن الحيلولة دون اكتساب البكتيريا لهذه المناعة من خلال عزل العاثيات عن مليارات العينات المتوفرة في الطبيعة أو تدريبها في المعامل لتطوير أساليب جديدة لمهاجمة البكتيريا.

وخلص بحث حديث إلى أن نظام كريسبر-كاس الدفاعي الذي تطوره البكتيريا لمواجهة العاثيات، قد يساعدنا في اكتشاف طرق لمحاربة مقاومة البكتيريا لمضادات الميكروبات.

وتجري معامل الأبحاث في دول مثل الولايات المتحدة أبحاثا عن العاثيات المعدلة وراثيا وسبل استخلاص إنزيمات التحلل المائي التي تنتجها العاثيات لقتل البكتيريا. وأثارت هذه الأبحاث اهتمام شركات الأدوية، مثل جونسون أند جونسون، التي أبرمت صفقة قيمتها 20 مليون دولار مع شركة لوكاس بيوساينس لتطوير عاثيات معدلة وراثيا لتدمير الآليات الدفاعية التي تطورها البكتيريا.

ونظرا لقلة التجارب عن العاثيات في الغرب، ينشر معهد إليافا دراسات حالات عن المرضى الذين نجح في علاجهم عبر الإنترنت، وتقول كوتاتلادزي: «أرى أننا نحتاج للمزيد من التعاون في هذه الأبحاث، فقد أُنفق الكثير من الوقت والمال على تفاصيل أجرينا عنها العديد من الأبحاث ووثقناها من قبل».

ويجري المعهد أبحاثا بالتعاون مع مجموعة «فيرينغ» السويسرية للأدوية وشركة «إنتراليتكس» الأمريكية، لتطوير عاثيات لعلاج مشاكل الصحة الإنجابية لدى النساء. ويشارك المعهد أيضا مع مجموعة شركات بتمويل من الاتحاد الأوروبي لدراسة إمكانية استخدام العاثيات في علاج الربو لدى الأطفال.

لكن المعهد لا يزال واحدا من المراكز القلائل في العالم التي يتلقى فيها المرضى علاجا بالعاثيات. ويوفر المعهد الآن خدمة الاستشارات عبر الإنترنت لمساعدة المرضى الذين لا يمكنهم السفر إلى جورجيا بسبب قيود كوفيد-19. ويعمل المعهد على تعديل أساليب الإنتاج لتلبية معايير ممارسات التصنيع الجيدة، على أمل أن يتمكن من تصدير تركيبات العاثيات إلى الخارج.

ولعل هذا هو الحل الأمثل لمرضى مثل دياز، الذي يضطر للسفر إلى تبليسي للحصول على العاثيات لتفادي تدخل السلطات الجمركية وإتلافها كما حدث في الماضي عندما طلب من المعهد إرسالها عبر البريد. ويقول دياز: «إن عدم توفر العلاج بالعاثيات حتى الآن سيظل وصمة على جبين الطب الحديث».

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    159,715

  • تعافي

    125,171

  • وفيات

    8,801

  • الوضع حول العالم

  • اصابات

    98,198,827

  • تعافي

    70,600,628

  • وفيات

    2,102,965







الخبر من المصدر

الكلمات الدلالية
إعلان

إقرأ أيضاً:

إغلاق