محمد النجار يكتب: اجتماع الكلمة أساس النهضة

 

الهيكل النهضوي للدولة المسلمة: إذا كانت الفترة المكية من عمر الدعوة الإسلامية، كانت كلها منصرفة لتأكيد العقيدة، وترسيخ مبادئها، فإن الهجرة، منذ اللحظة الأولى لوجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أرض المدينة بلورت معالم الهيكل النهضوي للدولة الناشئة؛ حيث تحددت معالم ذلك الهيكل على أرض الواقع في إجراءات عملية لتوحيد الصف، وجمع الكلمة، والاجتماع على القواسم المشتركة بين فئات المجتمع المدني. ولقد مثل المسجد في هذه المرحلة التاريخية للإسلام بيت الأمة، حيث كانت تدار شؤون الدولة منه، وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن يؤسس دولته على أصول أربعة، هذه الأصول هي في الحقيقة تمثل المناخ الصحي السليم لقيام نهضة إنسانية شاملة؛ فالنهضة لابد لها من بيئة صالحة تضمن قيامها، وتحمي وجودها، هذه البيئة تمثلت في تلك الأصول الأربعة التي كانت بمثابة الهيكل الأساسي الذي يمكن أن تتحقق الوحدة الإنسانية في ظلاله، من خلال تكون مجتمع المدينة النبوية الفاضلة، ثم بتعميم هذا النموذج على كل أرض دخلها من بعد ذلك الإسلام، فأما الأصل الأول فهو: المؤاخاة بين المؤمنين. وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على ترسيخ هذا الأصل، في مواقف عديدة، منذ اللحظة الأولى التي وطئت فيها قدمه المدينة المنورة، من خلال ما عرف بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فضلا عما ورد بالصحيفة من بنود تتعلق بكون المؤمنين أمة واحدة، حيث تكرر التأكيد على ذلك في عدة مواضع منها. والأصل الثاني هو: العيش المشترك بين المختلفين. والأصل الثالث هو: دعوة المخالفين. والأصل الرابع هو: الاستعداد لمجابهة المعتدين. 
أصول النهضة في وثيقة المدينة المنورة: لقد ظهرت هذه الأصول الأربعة في وضوح وجلاء مع الوثيقة التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم أول قدومه المدينة، والتي حدد فيها معالم جميع العلاقات الإنسانية العامة في ذلك المجتمع الجديد، وقد جاء فيها: (هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين .. إلى أن قال.. وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين وأن المؤمنين لا يتركون مفرحا (محتاجاً) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل، ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وأن المؤمنين المتقين على من بغي منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ولا ينصر كافر على مؤمن وأن ذمة الله عز وجل واحدة يجير عليهم أدناهم وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم)، وفيها ايضاً: (وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ (يُهْلِكُ) إلا نفسه وأهل بيته، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم … وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وأنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قِبَلهم) (المصباح المضيء في كتاب النبي الأمي ورسله إلى ملوك الأرض، 2/9:5).
في ظل هذا الميثاق نشأ المجتمع المستقر الذي هو بمثابة البيئة الأولية لقيام نهضة إنسانية، تحت مظلة الدين الخاتم، فقد آذنت هذه الصحيفة ببزوغ فجر حضارة أفاد منها الحبشي والقبطي والفارسي والرومي إلى جانب العربي.
فقد حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على كتابة هذا الميثاق أول قدومه للمدينة، مما يؤكد أنه بدون هذه المتطلبات الأربعة لا يمكن لأمة أن تنهض ولا لنهضة أن تدوم. 
المؤاخاة بين المؤمنين حجر الزاوية: إذا كان المشروع النهضوي القائم على هُدَى من الشرع الحنيف يقوم على هذه الأصول السالف بيانها، فإن الملاحظ من النص الوارد لصحيفة المدينة برواياتها المتعددة، أن المؤاخاة بين المؤمنين هو حجر الزاوية لتحقيق أي نهضة منشودة، فالمؤاخاة بين أبناء أي مجتمع أو ما سميته بالعيش المشترك بينهم، أمر لا مفر منه عند العقلاء لتحقيق الاستقرار، فضلا عن النهضة، لكن المؤاخاة بين المؤمنين خاصة لها أفضلية السبق في هذا الخصوص، إذ بدون الأولى لا تتحقق الثانية، فالمؤاخاة بين المؤمنين، تعني ربط أهل الإسلام برباط الدين حقيقة، وتأتي في عقبه سائر الروابط، فلقد فرقت قبل ذلك الروابط القبلية بين أهل المدينة، وجعلتهم لقمة سائغة لليهود الذين يسكنون الأرض معهم، مما أشعل نار الفتنة بينهم، ليس لشهر ولا شهرين، بين مدة مائة وعشرين عاماً بدأت بحرب سمير وانتهت بيوم بعاث قبل الهجرة النبوية بخمس سنوات فقط. لذلك كان تأصيل مبدأ الأخوة الإيمانية التي تترفع على سائر الانتماءات الأخرى ليس بالمهمة السهلة ولكنه أمر حتمي، يمثل أولوية في مشروع بناء الأمة، ونهضتها. 
العيش المشترك ضرورة حتمية: فحين يكون المجتمع لا يخلو من شركاء على غير الدين، فإن هذا يعني في مشروع النهضة المحمدي، العيش المشترك، ولذلك قال: “وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظَلَم”، ومعنى العيش المشترك، التعاون على البر، ودفع الإثم والعدوان، فمن أراد أن يهدد هذا المجتمع الوليد بسوء فيجب أن تكون يد الجميع متحدة في مواجهته، لذلك قال: “وأن بينهم النصر على من دهم يثرب وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويَلْبِسُونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه”، فهذه هي البيئة الأولية التي تحققت في ظلالها نهضة المسلمين الأُوَل. 
العناصر الأربعة مرتبة: فالعيش المشترك يجب أن يُنظر إليه في موضعه، وهو أنه العنصر الثاني، وأن ترتيبه العملي لا ينبغي أن يكون سابقاً على العنصر الأول، فاختلال أولويات العمل النهضوي، يؤدي إلى تعثر كبير في تحقيق النتائج، فلو فرضنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بالتأصيل للعيش المشترك بين مكونات المجتمع، ثم أتبع ذلك بالمؤاخاة بين المؤمنين، لأَعْطَىَ بذلك مجالاً واسعاً لدخول مكائد اليهود بين أفراد المجتمع الجديد، وحينها لن يتمكن من تحقيق الأخوة المنشودة ولا غيرها مما يأتي بعدها من الأسس. فبالأخوة بين المؤمنين، يقوى نسيج المكون الرئيس للمجتمع، ويتحقق من بعده العيش المشترك بينهم وبين من يشاركونهم الوطن، وحين يتحقق العنصر الأول لا يصبح لسائر المخالفين في المجتمع خيار سوى الانضواء تحت راية الاتحاد، ولكن أيضًا حين يتخلف ذلك الانضواء فعلينا من الفور أن نعلم أن إخلالا ما قد حدث في تحقيق العنصر الأول، وإن هذا بحذافيره هو ما حدى باليهود أن يشعلوا نار الحروب بينهم وبين المسلمين في المدينة المنورة، فقد حاول الرسول صلى الله عليه وسلم تحقيق المؤاخاة، لكن عقبة النفاق حالت دون تحقيق ذلك كاملا وبالقدر الذي يضمن الاستقرار في المجتمع، فقد أخل المنافقون ببنود الوثيقة، وخانوا، ولولا ذلك لما تجرأ يهود بني النضير على نقض الوثيقة، ولما تأخر استقرار المجتمع المسلم إلى ما بعد السنة السادسة وهزيمة يهود خيبر، والتخلص من رؤوس الفتنة فيهم. نعم لقد تأخر الاستقرار وفق هذا الترتيب الذي يضمن الوحدة أولاً، لوجود المنافقين، لكنه في النهاية تحقق، بفضل مراعاة تحقيق الاتحاد بين المؤمنين والحرص عليه بكل ممكن وقبل أي شيء آخر، ولو اختل الترتيب لأدى إلى هزيمة كبيرة، وتَشَتُّتٍ لا أمد له، فبنجاح الأخوة بين المؤمنين، ولو بقدر الثُلُثَيْن، يتحقق القدر الأهم لإنبات بذور النهضة، فقد فُتحت بفضل هذه الأُخوُّة، بعد ذلك مكة في السنة الثامنة للهجرة، ودخل العرب في الدين أفواجاً، وسعى الرسول صلى الله عليه وسلم لمخاطبة الملوك والأمراء بدعوتهم للدخول في الدين، وهي دعوة حملت في طياتها الكثير من المعاني، فقد فتحت بابًا لمعرفة نوايا الآخرين وما يضمرونه للأمة الوليدة وهم يطالعون خروجها عن الطوق، واستقلالها الحقيقي، بما تحقق لها من نهضة اجتماعية وسياسية وعسكرية وثقافية ودينية، بعد جاهلية حالكة، كانت هي الأصل في تحقيق تبعية العرب لهم.  فخلاصة القول: لا يمكن لنهضة أن تتحقق بغير وحدة، ولا يمكن للوحدة أن تتحقق والمؤمنون أمم متفرقة وليسوا أمة واحدة.

المقال من المصدر

مساحة إعلانية - ضع إعلانك هنا
الكلمات الدلالية
إعلان

إقرأ أيضاً:

إغلاق