نائب رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر لـ«المصري اليوم»: نعمل مع الحكومة المصرية منذ الحرب العالمية الأولى (حوار)

عقد كامل من الحروب والنزاعات المسلحة في الشرق الأوسط، دفع فيه المدنيون ثمنًا باهظًا، بين ملايين النازحين واللاجئين، وآلاف القتلى والمصابين.

في سوريا شب أطفال وسط الدمار والدماء، صاروا شبابًا، بعد أن فقدوا الأهل والأصدقاء، وتنعدم لديهم رؤية بناء مستقبل، أو بدء حياة جديدة.

وفي اليمن، حيث 24 مليون يمني معرضون لخطر المجاعة، تقول المنظمات الدولية إن الوضع الإنساني هو الأسوأ في العالم الحديث.

ويزيد انتشار جائحة كورونا من الضغوط، ويعيق الجهود الإنسانية، التي تزداد سوءً بفعل ويلات الحروب.

«المصري اليوم» التقت البروفيسور جيل كاربونييه، نائب رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في لقاء حصري، كشف خلاله جهود اللجنة في سوريا واليمن، رغم جائحة كورونا، والجهود المبذولة لدعم الأنظمة الصحية، والإفراج عن المحتجزين في مناطق النزاع، وظروف السجون في ظل أزمة كورونا.

البروفيسور السويسري، المتخصص في اقتصاديات التنمية، والاقتصاد الإنساني، له فلسفته الخاصة في تحليل أسباب النزاع في عالمنا اليوم، وبشكل خاص في القارة الإفريقية، حيث تلعب المياه كلمة السر. كما يوضح تفاصيل دعم النظام الصحي في مصر خلال أزمة كورونا.

تجاوز الصراع في اليمن 7 سنوات الآن، ويزداد الوضع الإنساني سوءً، مع توقعات بخطر المجاعة التي تواجه 24 مليون يمني، ما الذي تواجهه اللجنة الدولية للصليب الأحمر على الأرض في اليمن؟

مرت 7 سنوات لما يحدث هناك في اليمن، الوضع أصبح خطيرًا للغاية، ويؤثر على ملايين الأشخاص الآن، وهناك ما يقرب من 80% من السكان هناك يحتاجون مساعدات إنسانية، الأمن الغذائي أصبح خطيرًا للغاية، والوصول للخدمات الأساسية مثل الخدمات الطبية أصبح صعبًا جدًا، في أماكن كثيرة هناك، لا يوجد عناية صحية أولية، والكثير من الاحتياجات الأخرى.

اللجنة الدولية للصليب الأحمر تعمل في اليمن بالكامل، ونحاول المساعدة في إنقاذ حياة الأشخاص، ونتعاون مع الأطراف المختلفة في النزاع ونذكرهم بمسوؤلياتهم بموجب القانون الدولي الإنساني، وقوانين الحرب، ومن المهم للغاية أن تحترم الأطراف المتنازعة المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، والإبقاء على حياة المدنيين وحمايتهم من مآسي الحرب، وحماية البنية التحتية الأساسية، مثل المياه وخدمات الرعاية الصحية، وإمكانية وصول الأشخاص للموارد الغذائية.

لذلك نستجيب على الجانبين من خلال مساعدة السكان المدنيين المتضررين بشكل مباشر، وأيضًا محاولة التعامل مع أطراف النزاع خاصة فيما يتعلق بالتجارة، لأنه في ظل النزاع يكون من الصعب وصول الاحتياجات والخدمات الأساسية للسكان المتضررين، نحن نحاول حماية الأشخاص، ومساعدتهم للوصول إلى احتياجاتهم الأساسية، إن ما يحدث الآن من أسوأ الأوضاع الإنسانية في العالم.

وما يحدث في سوريا أيضًا، نحن نريد المجتمع الدولي والجهات الفاعلة، أن تكون شريكة في هذا الأمر، من أجل التوصل إلى حل سياسي لتخفيف معاناة الأشخاص.

أعتقد أن نسب الإصابة بالفشل الكلوي تضيف ضغطًا إضافيًا على جهودكم في اليمن، كيف تستجيبون لهذا الوضع هناك؟

عندما نفكر في الأمور الطارئة والخدمات الصحية الإنسانية هناك الكثير من الخدمات الطارئة التي يجب علينا أن نوفرها في كثير من الأحيان سواء في اليمن أو سوريا أو العراق، يستمر الأمر سنوات طويلة وعقود، لذلك ننظر إلى الخدمات الصحية الأساسية ومنها على سبيل المثال الفشل الكلوي، أو غيره من الأمراض مثل مرض السكري، أو الأمور التي قد تؤثر على حياة الأشخاص. نحاول دعم النظام الصحي لعلاج الأمراض المزمنة أيضًا.

وبالنسبة لفيروس كورونا، نحن نرى أيضًا أن النظم الصحية الهشة للغاية تتعامل مع هذا الفيروس والأوضاع الجديدة، لذلك أنشأنا مركزًا لعلاج فيروس كورونا في عدن، وهناك الكثير من حالات الإصابة بفيروس كورونا في اليمن، ما يتطلب الاستجابة لهذا الوضع.

لكن ماذا عن عملكم كوسطاء في الأزمة اليمنية للإفراج عن المحتجزين؟

اللجنة الدولية للصليب الأحمر منظمة إنسانية محايدة، وغير متحيزة، ولا نشارك في أي تفاعلات أو مباحثات سياسية، ولكننا نعرض المساعدات بمجرد اتفاق أطراف النزاع على تسهيل المساعدات الإنسانية، وبالنسبة للمحتجزين على مدار السنوات الماضية، كنا نشارك في العديد من النقاشات التي أدت إلى إطلاق سراح المحتجزين في نهاية الأمر، في أكتوبر الماضي قمنا بتسهيل إطلاق سراح متزامن لمحتجزين من أطراف مختلفة، ومساعدتهم للعودة مجددًا إلى عائلاتهم.

من الضروري أن نكون وسطاء محايدين، وقد ساعدنا في إطلاق سراح آلاف المحتجزين، وأصبح بإمكانهم الآن العودة إلى عائلاتهم وبيوتهم، لكننا أيضًا نساهم في وجود بيئة ممكنة لأطراف النزاع للنقاش والتحدث سويًا، وهو ما له نتائج كثيرة على الوضع الإنساني.

من اليمن إلى سوريا، حيث تجاوز الصراع 10 سنوات هناك، أجرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر استقصاءً شمل مجموعة من الشباب السوري ما أبرز النتائج التي توصلتم لها؟

أجرينا استقصاءً أردنا القيام به لمرور أكثر من عشر سنوات على النزاع في سوريا، وجدنا جيلًا كاملًا من الشباب تأثروا بشكل جذري بهذا النزاع، أردنا أن يكون صوتهم مسموعًا، لذلك أجرينا الاستقصاء بين مجموعة من الشباب في الفئة العمرية بين 18 و25 عامًا. كانت الإجابات صادمة، نصفهم قالوا إن لديهم أقارب أو أصدقاء مقربين ماتوا. وأكثر من النصف منهم قالوا إنهم فقدوا سبل العيش، وأنهم لا يرون أي فرصة للبدء في كسب العيش مرة أخرى. هذه الأرقام تتحدث عن نفسها، كل من تعاملنا معه تأثر بشكل مباشر من هذا النزاع، وأثر على إمكانياتهم في بدء حياة جديدة، وكأشخاص كبار، وأثر على حياتهم وصحتهم النفسية.

نحن نقوم بكل ما يمكن أن نقوم به من أجل الحفاظ على الاحتياجات الأساسية لهم، ولا نريد أن يكون هناك استمرار لهذا الوضع السئ، نريد أن يتحسن الاقتصاد وسبل العيش للسكان المدنيين في سوريا، لأن الوضع تدهور بشكل كبير، من الضروري أن يتحسن هذا الوضع، والإرادة السياسية مهمة في هذا الشأن.

كيف أثرت جائحة كورونا على الجهود الإنسانية حول العالم؟

أدى فيروس كورونا لكثير من العواقب، منها عدم وجود الكثير من الإجراءات، والحد من تحركات الأشخاص، ولدينا أكثر من 25 ألف موظف، الذين تأثروا أيضًا هم وعائلاتهم، كما أثر على المجتمع بشكل كبير، لكن ما رأيناه أن لدينا الكثير من التأثير، ولم يكن بشكل متساوٍ، هناك مجتمعات مضغوطة بالفعل بسبب النزاعات المطولة، وبسبب عدم إمكانية الوصول للأدوية والنظم والخدمات الصحية، ولقد تأثروا بشكل أكبر وبشكل مباشر أكثر.

بالتالي تعمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر على دعم النظم الصحية، بتوفير أدوات الوقاية الشخصية، والمعقمات، والمواد الأخرى التي قد تفيد في عزل ومعالجة المصابين بفيروس كورونا، كما تأثرت السجون والمحتجزين، ونعمل مع السجون في أنحاء العالم، ونساعد الأشخاص المحرومين من حريتهم، ونعرف أن هناك مشاكل كبيرة تحدث في هذه الأماكن، خاصة أنها مكتظة ومزدحمة للغاية، وإذا انتشر الفيروس هنا ستتحول هذه الأماكن لبؤر للفيروس، ونتخذ إجراءات لدعم سلطات الاحتجاز للحد من انتشار فيروس كورونا في السجون. ورأينا هناك بعض الحلول في حال أراد أقارب المحكومين زيارة ذويهم، حاولنا تنظيم عدد من الزيارات على الرغم من هذه الجائحة، كما وفرنا المعقمات والصابون، وغيرها من المواد التي قد تساعد المحتجزين، لغسل أيديهم على سبيل المثال، واتخاذ الإجراءات الوقائية الأساسية.

نفذنا أكثر من 90% من خطط اللجنة خلال العام الماضي، وقمنا بالعديد من الأنشطة في اليمن وسوريا والسودان وجنوب السودان، ونفذنا كثير من العمليات في المنطقة، وكان من الضروري الاستمرار في توفير المساعدات لهذه الأماكن.

تعملون مع مصر في دعم النازحين واللاجئين كيف تقيمون هذا التعاون؟

لدينا علاقة قائمة منذ وقت طويل مع مصر، اللجنة الدولية للصليب الأحمر تقوم بأنشطة كثيرة في مصر، منذ أكثر من مائة عام، بدأنا العمل هنا منذ الحرب العالمية الأولى، منذ التقينا أسرى الحرب، وتعمل اللجنة الدولية في مصر منذ ذلك الوقت، وشاركت في التعامل مع بعض الأزمات والكوارث التي حدثت هنا، وقمنا ببناء علاقة قوية مع السلطات من أجل البرامج الإنسانية التي نقوم بها هنا، وندعم الهلال الأحمر المصري، وهو جزء من عائلتنا، ونعمل مع الهلال الأحمر المصري في العديد من التخصصات، خاصة ما يتعلق بالمهاجرين والنازحين، ونساعد الأطفال والقاصرين، وتوفير سبل العيش والدعم الطبي في شمال سيناء، عندما تكون هناك أوضاعًا معينة، وندعم السلطات المصرية في توصيل المساعدات.

كيف تدعمون الجهود المصرية في مواجهة فيروس كورونا؟

عدت منذ قليل من اجتماع مع وزيرة الصحة المصرية وفريقها، وتناقشنا في التعاون على الاستجابة لفيروس كورونا، ومنذ البداية حاولنا تقديم الدعم، ودعم الخدمات الصحية، وتوفير أدوات الوقاية الشخصية، من أجل هذه الاستجابة، واليوم قمنا بعدد من الأنشطة التضامنية، بتوفير عدد من اسطوانات الأكسجين، لأن الوصول الآن إلى اسطوانات الأكسجين أصبح صعبًا جدًا، وهو حاسم في إنقاذ حياة الأشخاص.

ماذا بشأن دعم القدرات البشرية للنظام الصحي المصري؟

نحن نعمل على الاستجابة للكوارث، وندعم جهود وزارة الصحة للتعامل مع حوادث الإصابات الجماعية، ونقدم واجب العزاء لضحايا حادث القطار الأخير، ونقدم المساعدات والخبرات للتعامل مع مثل هذه الأوقات.

ذكرت أنكم تعملون في دعم السجون حول العالم هل هناك تعاون مع مصر في هذا المجال؟

لدينا خبرة كبيرة حول العالم فيما يتعلق بدعم سلطات أماكن الاحتجاز، وخبرتنا تمتد لأكثر من مائة عام، نحن نحتاج تعزيز تبادل الممارسات الأفضل بشأن وضع السجون، ومواجهة كورونا، ونتبادل الخبرات مع السلطات المصرية، والنقاشات مستمرة الآن.

المصري اليوم تحاور «جيل كاربونييه» نائب رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر

كأستاذ للاقتصاد الإنساني كيف تحلل الصراعات من منظور التكلفة الإنسانية كأكاديمي؟

بنهاية الحرب الباردة في التسعينات، ظننا أن معظم النزاعات كانت بسبب أفكار أيديولوجية مختلفة، ورأينا نزاعات ما بين الشرق والغرب، بسبب الشيوعية والرأسمالية، ولكن منذ انتهاء الحرب الباردة، فإن عدد النزاعات المسلحة شهدت ازديادًا، ورأينا ما حدث في سيراليون، وليبيريا، وجمهورية الكونغو الديموقراطية، والصومال، وما إلى ذلك، لذلك بدأنا ننظر إلى ديناميكيات استمرار النزاعات المسلحة، ومن بين الأسباب أيضًا الصراع حول ندرة الموارد الطبيعية، منها ما رأيناه في منطقة الساحل والصحراء، وما حدث بسبب ندرة الموارد المائية، والمراعي والأراضي الزراعية ونظم الري.

من الناحية الاقتصادية رأينا أن التنافس على ندرة الموارد، وأردنا أن يكون هنا تحليل اقتصادي إنساني، لنرى كيف يمكن أن يكون هناك تعاون في هذه الأمور، والديناميكيات المتعلقة بذلك، للحد من النزاعات هناك، وتخصصي كأستاذ جامعي الاقتصاد الإنساني، والاقتصاد التنموي، كانت هذه الموضوعات مثيرة للاهتمام أثناء النقاشات مع الطلاب، وتتزايد هذه المشكلات بسبب التغير المناخي، وكلها أمور مهمة للغاية.

المصري اليوم تحاور «جيل كاربونييه» نائب رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر
المصري اليوم تحاور «جيل كاربونييه» نائب رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر


الموضوع من المصدر

مساحة إعلانية - ضع إعلانك هنا
الكلمات الدلالية
إعلان

إقرأ أيضاً:

إغلاق