ناسا بالعربي – الطائرات الأسرع من الصوت تستعد للعودة بشكل صديق للبيئة وأكثر هدوءًا

بعد ما يقرب من 20 عامًا على رحلة كونكورد الأخيرة، يبحث العلماء في إعادة تطوير طائرة أسرع من الصوت ذات كفاءةٍ أعلى في استهلاك الوقود وأكثر هدوءًا. حقوق الصورة: Pedro Aragão/Wikimedia, licensed under CC 3.0

بعد ما يقرب من 20 عامًا من إيقاف طائرة كونكورد Concorde، يبدو أن الطائرات المدنية الأسرع من الصوت مستعدةٌ للعودة مرة أخرى. تعمل التكنولوجيا الجديدة على تطوير جيل جديد من تلك الطائرات، لكن لا تزال هناك تحديات مثل اللوائح ونظم الاقتصاد القديمة.

مثّل تاريح 24 تشرين الأول/أكتوبر 2003 نهاية حقبة مهمة، حيث قامت طائرة كونكورد الأسطورية الأسرع من الصوت برحلتها التجارية الأخيرة في ذلك اليوم، متجهة من مطار لندن هيثرو إلى مطار جون إف كينيدي في مدينة نيويورك، ومنذ ذلك الحين لم تُشغَّل أي طائرات تجارية أسرع من الصوت، إذ كان من الصعب التغلب على المشاكل التنظيمية والتكنولوجية والتجارية، وبات الحلم برحلة جوية بين لندن ونيويورك تستغرق ثلاث ساعات فقط يبدو صعبًا.

الآن وبعد ما يقرب من 20 عامًا، ربما نعود إلى هذا الحلم الأسرع من الصوت، حيث تستطيع التطورات التكنولوجية الجديدة في التصميمات الهندسية النجاح فيما فشلت فيه طائرة كونكورد وتستثمر مجموعة من الشركات والمعاهد البحثية بشكل كبير في جيل جديد من الطائرات المدنية الأسرع من الصوت. تريد شركة بوم Boom الأمريكية أن تحلق بنموذجٍ مصغرٍ لطائرتها الأسرع من الصوت والمُسمَّاة أوفرتشور Overture في عام 2021، وقد جمعت بالفعل 196 مليون دولار للقيام بذلك. كانت وكالة ناسا الفضائية رائدةً في هذا المجال بطائرتها إكس-59 X-59، وهي طائرة تجريبية أسرع من الصوت تعمل على خفض مستويات الضوضاء الناتجة عن الطفرة الصوتية سيئة السمعة، وتقوم شركة إيريون Aerion، بالتعاون مع شركة بوينغ Boeing بتطوير طائرة تجارية أسرع من الصوت، يمكن أن تدخل الخدمة بحلول عام 2025.

تقول البروفيسور نيكول فيولا Nicole Viola من جامعة بوليتكنيك في تورينو في إيطاليا، والقائمة بعمل أبحاث على الطائرات الأسرع من الصوت: “لم يعد هذا مجرد حلم بعد الآن، في كل مكان الناس يعملون على هذا.”

الدوي الصوتي


أحد الدوافع المهمة وراء عودة ظهور الطائرات المدنية الأسرع من الصوت هو إمكانية تخفيض الضوضاء الناتجة عنها وتقليل مشكلة الدوي الصوتي باستخدام التكنولوجيا الحديثة.

عندما يصدر جسم ثابت (مثل جهاز الموسيقى) صوتًا، تنتشر موجاته الصوتية في جميع الاتجاهات. إذا كانت مرئية بالعين المجردة، فإن هذه الموجات ستبدو مشابهة لما يحدث عندما يسقاط حجر في بركة، ما ينتج عنه انتشار موجات صغيرة في دوائر متحدة المركز.

عندما تصبح الطائرة أسرع من الصوت فإنها تتحرك قبل الصوت الذي تصدره؛ ما يؤدي إلى تكوّن موجات صوتية خلف الطائرة في شكل يشبه المخروط، على غرار الموجات خلف القارب. الطائرة الأسرع من الصوت لا يمكن سماعها حتى تعبر المراقب، حينها يصطدم المراقب بصوت مفاجئ للموجات الصوتية المركزة غير المريحة تمامًا. في بعض الحالات، يمكن أن تسبب هذه الموجات أضرار للمباني، كما أن الطائرات العسكرية الأسرع من الصوت التي تحلق فوق اليابسة معروفة بتحطيمها النوافذ، الأمر الذي أدى إلى حظر تحليق الطائرات الأسرع من الصوت فوق اليابسة، ما يحد بشدة من المسارات المتاحة للطائرة المدنية الأسرع من الصوت. لهذا السبب، طائرة الكونكورد كانت إلى حد كبير تحلق في مسارات فوق الماء فقط.

ومع ذلك، فقد أحدثت التصميمات الجديدة طفرةً فيما يسمى بتقنية الدوي المنخفض، وقال جيرالد كاريير Gérald Carrier، كبير خبراء الديناميكا الهوائية في مختبر الطيران الفرنسي ONERA: “تعتمد شدة الدوي الصوتي بشكل أساسي على الشكل الديناميكي للطائرة.”

شارك كاريير في مشروع يسمى رامبل RUMBLE، والذي جمع الأدلة حول الضوضاء المنبعثة من دوي اختراق حاجز الصوت وطائرات الدوي المنخفض وذلك لتقديمه للسلطات التنظيمية.

يلاحظ كاريير أنه من خلال تغيير تصميم الشكل الهندسي للطائرة، يمكن تقليل الضوضاء الناتجة عن طائرة كونكورد من 100 ديسيبل، والتي تماثل ضوضاء آلة ثقب الصخور، إلى 70-80 ديسيبل للتصميمات الجديدة، والتي تقترب من صوت الضوضاء الناتجة من مكنسة كهربائية.

وينص كاريير: “التصميم الصحيح للطائرة بخصائص مثل الأنف الأمامي الطويل جدًا يمكن أن يقلل الضوضاء. من خلال إتقان ذلك يمكننا تحسين البصمة الصوتية للطائرة وجعل الدوي الصوتي أقل إزعاجًا.”

في الوقت الحالي، لا تزال الطائرات المدنية الأسرع من الصوت ذات الدوي الصوتي المنخفض مجرد نظريات علي ورق، على الرغم من أنها تقترب من التنفيذ على أرض الواقع. تأمل شركة بوم في إطلاق نموذج يمثل ثلث حجم تصميمها الجديد في عام 2021، وتريد وكالة ناسا بدء اختبارات الطيران للطائرة إكس-59 في عام 2022. يقارن كاريير الضوضاء التي ستحدثها التصميمات الجديدة بضوضاء الألعاب النارية البعيدة، لا يزال الناس يسمعونها لكنها لا تكسر النوافذ بصوتٍ عالٍ.

أصبح تحقيق مستوى ضوضاء منخفض أمرًا ممكنًا بفضل التقدم في الأدوات والأبحاث. تسهل برامج الحاسوب الجديدة محاكاة خصائص الطائرات وتجربة الأشكال ثلاثية الأبعاد. منذ الستينيات، عندما صُمِّمت الكونكورد، أصبحنا نعرف الكثير عن حواجز اختراق حاجز الصوت. وقول كاريير: “نستفيد من عقود من الأبحاث والتطورات الجديدة”.

ومع ذلك حتى هذا الجيل الجديد من الطائرات الأسرع من الصوت سيظل ينتج ضوضاء، ويجب صياغة التنظيمات المناسبة لهذه التصميمات. حاكى مشروع رامبل مقدار الصوت الذي ستنتجه هذه الطائرات الجديدة وتأثيره على المباني، وكذلك قاسوا دوي اختراق حاجز الصوت للطائرات العسكرية الروسية ودراسة تأثيرها على البشر.

ويتابع كاريير: “نظرنا في كيفية تفاعل الناس مع المستويات المختلفة من دوي اختراق حاجز الصوت، وهو ما يسمى بالدراسات الصوتية النفسية”.
على وجه التحديد، وضعوا مكبرات الصوت بجوار منزل يوجد فيه أفراد الاختبار، ومن وقت لآخر كانت هذه السماعات تنتج أصواتًا مشابهةً لدوي الصوت المتوقع من التصميمات الجديدة ثم كان على الأشخاص الخاضعين للاختبار الإبلاغ عن مدى تأثير ذلك على صحتهم وقدرتهم على القيام بالمهام والقدرة على النوم. بناءً على هذه النتائج، يمكن للحكومات تحديد مقدار الضوضاء المقبولة من هذه الطائرات الجديدة.

ويتابع كاريير: “نريد المساعدة في تحديد اللوائح التي يمكن أن تحد من دوي اختراق حاجز الصوت للطائرات الجديدة إلى مستوى مقبول للبشر”.

وقد تسمح هذه اللوائح بعد ذلك للطائرات الأسرع من الصوت بالتحليق فوق اليابسة، ما يوسّع الخطوط التي يمكن أن تخدمها بشكل كبير.

ما هي الطفرة الصوتية والدوي الصوتي. حقوق الصورة: Horizon magazine

سرعة الصوت “ماخ”


في تورينو تستكشف البروفيسور فيولا طريقةً أخرى لاختبار الدوي الصوتي في مشروعها MOREandLESS، الذي بدأ لتوّه وسيستمر لمدة أربع سنوات. في إحدى التجارب سيطلق الباحثون مقذوفاتٍ صغيرةً على شكل طائرات على مسار اختبار خارجي كبير. تحقق المقذوفات طفرة صوتية ينتج عنها دوي صوتي، يُقاس بعد ذلك بواسطة الميكروفونات الموضوعة حول المسار لمعرفة تأثير التصميمات المختلفة على الضوضاء.

قالت البروفيسور فيولا: “سنحقق في مدى واسع من السرعات، من 2 إلى 5 ماخ”.

وحدة ماخ Mach هي وحدة السرعة للطائرات الأسرع من الصوت. واحد ماخ يعني أن الطائرة تسير بسرعة الصوت في ذلك الموقع، والتي يمكن أن تختلف بناءً على درجة الحرارة المحلية، والتي بدورها تعتمد بشكل أساسي على الارتفاع (كلما ارتفعنا نحو الغلاف الجوي، انخفضت درجات الحرارة). عند مستوى سطح البحر، مع درجة حرارة 15 درجة مئوية، 1 ماخ يساوي 340.3 مترًا في الثانية أو 1,225.08 كيلومترًا في الساعة.
على ارتفاع 11,000 متر يصبح 295 مترًا في الثانية أو 1,062 كيلومترًا في الساعة. تُحدَّد السرعات فوق الصوتية عمومًا على أنها المنطقة بين 1 و5 ماخ، أو من 1 إلى 5 أضعاف سرعة الصوت. على سبيل المثال، صُمِّمت الطفرة الصوتية بحيث أن مقدمة الدوي الصوتي تحافظ على سرعة 2.2 ماخ، بشكل مماثل لسرعة طائرة كونكورد.

تدرس البروفيسور فيولا أيضًا خيارات الوقود، وهي قضيةٌ رئيسيةٌ أخرى تواجهها الطائرات المدنية الأسرع من الصوت. أحد الأسباب التي جعلت طائرة كونكورد غير اقتصادية هو استهلاكها العالي للوقود، خاصةً خلال مراحل الطيران منخفضة السرعة. وعلى الرغم من أن الجيل الجديد من تصميمات الطائرات الأسرع من الصوت قد قلل من استخدام الوقود من خلال ديناميكا هوائية أفضل ومحركات أكثر اقتصادًا في استهلاك الوقود، فإنها ستظل تستهلك أكثر من الطائرة دون سرعة الصوت العادية، ما يتسبب في مشاكل التلوث ويوثر على المناخ، من الطرق الرئيسية للحد من هذه المشكلة استخدام أنواع جديدة من الوقود.

فيولا: “تعتمد الانبعاثات بالطبع على نوع المحرك، لكنها تعتمد أيضًا على نوع الوقود المستخدم والعمليات الكيميائية الأساسية التي تتم في عملية الاحتراق”.

بالنسبة للبروفيسور فيولا، يوجد نوعان من الوقود أكثر استدامةً: الوقود الحيوي والهيدروجين السائل. حيث قالت إن الهيدروجين هو “المرشح رقم 1″، لأنه لا ينتج انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. لكن الوقود الحيوي المشتق من الكتلة الحيوية مثل النباتات أو النفايات لا يزال اختيارًا محتملًا، وربما يخلط مع وقود الطائرات العادي.

الاقتصاديات


ولكن بالنسبة لجميع التقنيات الجديدة، فإن القول الفصل في إمكانية خروج الجيل الجديد من الطائرات الأسرع من الصوت إلى النور من عدمه يرجع إلى الاقتصاد. قال الدكتور تراب زيدي Turab Zaidi، الذي يقود معمل تصميم أنظمة الفضاء في جامعة جورجيا تيك لورين، الذي يقع في مدينة ميتز بفرنسا: “بالنسبة لطائرة كونكورد كانت القشة التي قصمت ظهر البعير أنها لم تكن اقتصادية على الإطلاق، فالخطوط الجوية البريطانية والخطوط الجوية الفرنسية لم تستطع تحمل الخسائر”.

حقق الدكتور الزيدي فيما إذا كان هذا الوضع سيتغير في المستقبل بمشروع OASys، وما إذا كان بإمكان شركات الطيران تشغيل هذه الطائرات الجديدة بشكلٍ مربحٍ. في المشروع، طوروا سيناريوهان للطائرات الأسرع من الصوت في الفترة بين 2035 و2050، ويبدو أن استنتاجهم متفائلة بحذر.

وأقر الدكتور زيدي: “وجدنا إمكانية لعودة السوق مرة أخرى، ليس بالحجم الكبير الذي يتوقعه بعض المصنّعين. لكن مع بعض الافتراضات، هناك قابلية لعودة سوق الطائرات الأسرع من الصوت”.

تبدأ دراستهم من سوق الطيران الحالي وتتوقع كيف سيتطور، مع مراعاة النمو الاقتصادي، والذي سيؤدي على الأرجح إلى زيادة في استخدام شركات الطيران. ثم حسبوا حجم مجموعة المستهلكين الذين سيستخدمون الطائرات الأسرع من الصوت، مثل المسافرين من رجال الأعمال الذين يريدون تنقلات سريعة أو السياح الذين يدفعون الآن مبالغ كبيرة مقابل العروض المميزة من شركات الطيران.

ومع ذلك، يعتمد السوق المحتمل على مجموعة من الافتراضات حول كيفية تطور الطائرات الأسرع من الصوت، مثل كفاءة الوقود والتنظيم.

قال الدكتور زيدي: “بالنسبة لسيناريو الطلب المرتفع، افترضنا أن التحليق البري على اليابسة سيكون مسموحًا به، هذا أحد القيود الكبيرة على سيناريو الطلب المرتفع. عندما لا تسمح بالتحليق البري، فإنك تحد بشدة من عدد الوجهات وتجبر الطائرات على التحليق أبطأ عند التحليق فوق اليابسة، مما يقلل من كفاءة استهلاك الوقود”.

ومع ذلك وبشكل عام، يبدو الدكتور الزيدي متفائلًا، ويقول: “قد تغيرت الكثير من الأشياء التي أنهت وجود طائرة كونكورد، لم يختفِ الطلب على رحلات الطيران السريعة منذ ذلك الحين وقد نشهد عودة ظهورها قريبًا”.






الخبر من المصدر

مساحة إعلانية - ضع إعلانك هنا
الكلمات الدلالية
إعلان

إقرأ أيضاً:

إغلاق