هبة عثمان تكتب: تركيا وأزمة العزلة السياسية

خلال العشر سنوات الأخيرة الماضية حصدت سياسة أردوغان العدائية تراجعًا حادًا في علاقات تركيا الدولية مع أغلب الدول المحورية على الساحة الدولية، فإن قمنا بحصر الدول الصديقة لتركيا سنجد أن عددها محدودًا جدًا وهي قطر وأذربيجان وحكومة الوفاق “مجموعة القوى السياسية الموجودة في نطاق ضيق في طرابلس غرب ليبيا” و”شمال قبرص” وهي دولة لا يعترف بها أي من دول العالم سوى تركيا ذاتها.

فإذا كانت هذه فقط الدول الصديقة لتركيا فمن هي الدول التي تعاني من سياسات أردوغان العدائية:

-هناك علاقات مع دول ينتابها توترات دائمة، كدول لها حدود متاخمة مع تركيا مثل أرمينيا – العراق – سوريا ومجموعات الأكراد، وعلاقات متوترة بدول الاتحاد الأوروبي وكذا بدول حلف شمال الأطلسي، وعلاقات سيئة بدول مؤثرة في مجلس التعاون الخليجي مثل السعودية والإمارات والبحرين، وعلاقات سيئة جدا مع دول إقليمية مثل مصر وقبرص واليونان والأراضي المحتلة “إسرائيل”.

كما أن هناك علاقات يشوبها الكثير من الالتباس بدول مثل روسيا وايران فهي تتوافق معها في ملفات وتتعارض معها في ملفات أخرى.

ونتيجة لتلك المواقف السياسية التركية المناوئة، تراجعت شعبية رجب طيب أردوغان  في الداخل التركي وبالتالي شعبية الحزب الحاكم “العدالة والتنمية ” الذي يترأسه أردوغان، ففي أكتوبر الماضي آلت مؤشرات استطلاعات الرأي المحلية التركية إلى تراجع وصل لأدنى مستوى له والذي بلغ 28%.

ومع كل تلك التوترات والارهاصات السياسية والتي نتج عنها عزلة دولية، انعكست على الاقتصاد التركي ، فالمؤشرات الاقتصادية الحديثة عن الاقتصاد التركي تنبئ بتراجع على عدة مستويات:

– تراجع في حجم الاستثمارات الأجنبية في تركيا.

– يظهر أيضا في تراجع قيمة الليرة التركية.

– وبحسب تقرير لصحيفة تركية أن التوقعات الرسمية للبرنامج الاقتصادي التركي الجديد في سبتمبر الماضي والذي أعلن عنه وزير الخزانة والمالية التركي،  أن الاقتصاد التركي سيزداد انكماشا ” بمقدار 110 مليارات دولار حيث كان من المفترض أن يصل إجمالي الدخل القومي لتركيا بحلول 2023 إلى 812 مليار دولار، ولكنة تراجع ليصل إلى 702 مليار دولار، ومع وعود الحكومة التركية وفق البرنامج الإقتصادي الجديد تسعى تركيا لرفع التوقع ليصعد الى 875 مليار دولار، ولكن حتى هذا الرقم يعد أٌقل من حجم الإقتصاد نفسه من 11 عاما، حيث سجل الدخل القومي التركي في عام 2012 نحو 877 مليار دولار.

– كما ينعكس ذلك على تعاظم الديون التركية وبالتالي ارتفاع حجم الفوائد التي من المفترض أن تسددها تركيا لتتمكن من الاستدانة من الخارج، خاصة بعد أن خفضت وكالة موديز “Moody’s” التصنيف الائتماني للديون التركية لأقل مستوي وهو “B2” مع نظرة مستقبلية سلبية، وهي درجة تصنف الدول المندرجة تحتها بأنها قد تكون غير قادرة على سداد القروض وبالتالي تعد دولا أقل ثقة من حيث جذب الاستثمار إليها، فيتوجب عليها دفع فوائد أكبر للدول التى قد تخاطر لإقراضها أو الاستثمار بها .

لم تنته مشاكل تركيا الى هذا الحد، فتنصيب الرئيس جو بايدن بالتحديد كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية منذ أيام يزيد من الأعباء الواقعة على إدارة أردوغان، فمواقف بايدن العدائية تجاة أردوغان معلنة منذ عدة سنوات.

مواقف بايدن من أردوغان:

– في العام 2014 كان جو بايدن السياسي الأمريكي الوحيد وقتها الذي اتهم أردوغان علنا بدعمه للجماعات الإرهابية المسلحة. وفي أغسطس 2016 اجتمع جو بايدن في تركيا بالجماعات المعارضة التركية وقدم لهم الدعم الكامل للاتحاد لهزيمة أردوغان.

– وفي عام 2017 وصف جو بايدن أردوغان في حوار له نشر فى صحيفة  “نيويورك تايمز” على خلفية سياسات تركية الخارجية في الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط وسياساته الداخلية مع المعارضة التركية، حيث وصف أردوغان بأنه “ديكتاتور مستبد”  يجب أن يدفع ثمن انتهاكاته على صعيد ملف حقوق الإنسان في تركيا وتجاوزاته السياسة تجاة الأكراد وملف شرق المتوسط.

-ومؤخرا عادت ملامح موقف إدارة جو بايدن العدائية تجاه أردوغان حين تجاهل الرد على رسالة أردوغان للتهنئة بالفوز في الإنتخابات الرئاسية الأمريكية في مطلع يناير الجاري، فيما رد بايدن على تهنئة البطريرك الأرثوذكسي المقيم في اسطنبول.

وآخر ما كان ينتظره أردوغان خاصة بعد اجتماع بروكسل في ديسمبر الماضي وفرض عقوبات من الاتحاد الأوروبي على تصرفات تركيا “غير القانونية والعدائية في شرق المتوسط ضد أثينا ونيقوسيا”، هو إجازة الكونجرس الأمريكي في التاسع من ديسمبر الماضي فرض عقوبات على تركيا، على خلفية اقتنائها منظومة “إس 400″ الروسية الصنع رغم تحذيرات متتالية من واشنطن لأنقرة، ومن المتوقع أن تتصاعد العقوبات مع الوقت ضد تركيا.

لذا وبسبب سياسات أردوغان العدائية وخططه التوسعية تعاني تركيا من عزلة سياسية واقتصادية، قد يفسر هذا التحول السياسي التركي الظاهر في الفترة الأخيرة:

-تحاول تركيا مؤخرا التودد لتل أبيب، محاولة استعادة العلاقات الدبلوماسية معها وتبادل السفراء بعد قطيعة دبلوماسية دامت لسنوات، كمحاولة للتقرب لواشنطن من خلال إرضاء الكيان الصهيوني، خاصة وأن لبايدن تصريح واضح في عام 2007 يقول فيه نصا ” أنا صهيوني”. كما تحاول التقرب للولايات المتحدة من خلال ابراز مواقف سياسية توافق الموقف الأمريكي وتعارض روسيا سواء من خلال فتح مباحثات لتسليح أوكرانيا أو من موقفها من ملف شبه جزيرة القرم وهو ما قد يزعج روسيا.

– وعلى صعيد آخر تحاول تركيا تجديد العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وتقديم نفسها من جديد من خلال التواصل مع ألمانيا.

– كما أنها تحاول من شهور تخفيف حدة العداء مع مصر خاصة بعد إعلان الرئيس السيسي “الخط الأحمر” في ليبيا.

كل هذه المحاولات التي تسعى تركيا لتحقيقها غالبا ما قد تبوء بالفشل، وسيصعب على أردوغان تجاوز أزماته التي صنعها بيده، خاصة وأنه لن يتنازل بسهولة عن مشروعه التوسعي وأطماعه سواء في الشرق الأوسط و في القارة الأفريقية عموما او حتى عن أطماعه في شرق المتوسط خصوصًا.

 

المقال من المصدر

الكلمات الدلالية
إعلان

إقرأ أيضاً:

إغلاق