DW تتقصى الحقائق: هل الإنقاذ البحري عامل جذب للمهاجرين؟ | سياسة واقتصاد | تحليلات معمقة بمنظور أوسع من DW | DW

منذ مدة طويلة يتم الربط بين ارتفاع عدد المهاجرين الذين يخاطرون بالعبور من ليبيا أو المغرب نحو أوروبا، وبين عمليات إنقاذ قواربهم التي غالباً ما تكون غير صالحة للإبحار.

ينظر السياسيون المحافظون في اوروبا على وجه الخصوص إلى عمليات الإنقاذ البحري باعتبارها حافزاً على الهجرة ويلقون باللوم على ناشطي إنقاذ المدنيين من منظمات مثل “سي ووتش” أو “سي آي”، التي لاتزال تنقذ عشرات الآلاف من الأشخاص في البحر الأبيض المتوسط كل عام.

هذه الانتقادات قد تصل إلى حد الادعاء بوجود اتفاقات ملموسة مع المهربين ودعم الاتجار بالبشر، وهو اتهام ترفضه المنظمات غير الحكومية بشدة.

قللت سفن الاتحاد الأوروبي من عمليات الإنقاذ على طول طرق الهجرة على الأقل منذ انتهاء مهمة “صوفيا” البحرية في ربيع عام 2020. لأن دولاً مثل إيطاليا أو النمسا كانت تخشى أن يؤدي إرسال سفن الإنقاذ إلى زيادة تدفق اللاجئين والمهاجرين إليها.

تلعب عوامل الدفع والجذب المزعومة دوراً مهماً في سياسة الاتحاد الأوروبي عندما يتعلق الأمر بمناقشة كيفية الحد من الهجرة. فبينما تشير عوامل الدفع إلى الظروف التي “تدفع” بالأشخاص بعيداً عن بلدانهم الأصلية، مثل الحروب أو الكوارث البيئية، تصف عوامل الجذب كل ما “يجذب” هؤلاء الأشخاص أو ما يخلق حوافز لديهم للوصول إلى أوروبا.

قد تكون هذه الحوافز الاستقرار والازدهار السياسي، وقد تكون أيضاً قوانين الهجرة الليبرالية أو كما يفترض الإنقاذ البحري.

إلى أين وصلت الأبحاث حول هذا الشأن؟

لا يوجد الكثير من الأبحاث الموثوقة، حسب يوليان فوخربفينيغ، أستاذ الشؤون الدولية والأمن بمدرسة هيرتي للحكم في برلين، لأن هذا يرجع إلى الحالة السيئة للبيانات من ناحية وتعقيد المشكلة من ناحية أخرى. يوضح الخبير أنه “من الصعب فصل السبب عن النتيجة هنا”. “الأمر أشبه بالتحقيق فيما إذا كان عدد المنقذين له تأثير على عدد المهاجرين”، لكن في الواقع هناك بعض الدراسات.

الدراسة التي تحمل عنوان “إلقاء اللوم على المنقذين” (2017) من تأليف تشارلز هيلر ولورينزو بيزاني من جامعة لندن، تلقي نظرة على الفترة الزمنية والمكان الذي أتى منه العديد من الأشخاص عبر البحر الأبيض المتوسط بحلول عام 2016. يقارن الباحثون هذه البيانات بالفترات التي كانت فيها بعثات الإنقاذ وحماية الحدود الأوروبية نشطة، لكنهم لم يتمكنوا من وجود رابط بين عدد المهاجرين وعمليات الإنقاذ.

من جهة أخرى، وفي دراسة تحت عنوان “أزمة رواية سياسية وأدلة على الوفيات في البحر الأبيض المتوسط” من عام 2018، توصل إلياس شتاينهيلبر وروب ج. غروترز من جامعة أكسفورد إلى استنتاج مفاده أن “غياب المنقذين لا يفسر تراجع محاولات العبور “.

يظهر الرسم البياني محاولات المهاجرين واللاجئين للعبور إلى أوروبا

يشير ملف “المنظمات غير الحكومية للإنقاذ البحري: عامل جذب للهجرة غير النظامية؟” إلى الإنقاذ البحري المدني باعتباره عامل جذب محتمل. قام أوجينيو كوسومانو من معهد الجامعة الأوروبية وماتيو فيلا من المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية بتحليل تدفقات الهجرة من ليبيا إلى إيطاليا بين عامي 2014 و2019 و”لم يجدوا أي صلة بين وجود المنظمات غير الحكومية في البحر وعدد المهاجرين“.

في عام 2015، على سبيل المثال، انخفض العدد الإجمالي للمهاجرين القادمين من ليبيا بشكل طفيف مقارنة بالعام السابق، على الرغم من أن عدد المهاجرين الذين أنقذتهم المنظمات غير الحكومية قد ارتفع بشكل حاد. وجاء في ورقة عام 2019 أن “نتائج تحليلنا تتحدى الادعاء بأن عمليات الإنقاذ غير الحكومية هي عامل جذب للهجرة غير القانونية عبر البحر المتوسط“.

عواقب غير مقصودة” للإنقاذ البحري

توصل كلوديو ديانا من جامعة كالياري وفيكرام ماهشري من جامعة هيوستن وجيوفاني ماستروبوني من جامعة تورين إلى استنتاج مختلف في دراسة بعنوان: “المهاجرون في البحر: العواقب غير المقصودة لعمليات البحث والإنقاذ”. لقد طوروا نموذجا اقتصاديا لتحديد عدد اللاجئين القادمين عن طريق البحر. ويتضمن النموذج الربط بين رغبتهم الشديدة في الوصول إلى أوروبا وبين التكاليف واحتمال عبور ناجح.

ورأى الباحثون أن زيادة أنشطة الإنقاذ في البحر الأبيض المتوسط أدت إلى تحول المهربين من القوارب الخشبية الصالحة للإبحار إلى القوارب المطاطية الرديئة. بشكل عام، يعتقدون أن “النتيجة غير المقصودة” للإنقاذ البحري يمكن أن تكون السبب في إقدام المزيد من الأشخاص على العبور إلى أوروبا في ظروف أسوأ.

بشكل عام، فإن الباحثين ديانا وماهشري وماستروبوني وحدهم من ذهبوا إلى هذا الاتجاه في تحليلهم. إذ يوضح الخبير في شؤون السياسة يوليان فوخربفينيغ أن جميع الأبحاث العلمية الأخرى تقريبا أظهرت أن الإنقاذ البحري لا يزيد من محاولات العبور.

لاجئون ومهاجرون عام 2017 على متن قارب في البحر الأبيض المتوسط.

لاجئون ومهاجرون عام 2017 على متن قارب في البحر الأبيض المتوسط.

تأثير المهربين    

بالنسبة للعديد من الباحثين، يبدو من المنطقي أن عمليات الإنقاذ لها تأثير على سلوك المهربين أكثر من تأثيرها على سلوك المهاجرين وطالبي اللجوء. كما هو موضح في دراسة كل من ديانا وماهشري وماستروبوني، فقد ترسل القوارب الأسوأ مع وقود أقل إلى البحر.

صفاء مساهلي، المتحدثة الصحفية باسم المنظمة الدولية للهجرة، تعتقد أن ذلك غير معقول للغاية: “الحقيقة هي أن هناك العديد من المتغيرات الأخرى التي تلعب دورًا للمهربين، مثل الأحوال الجوية ومراقبة الساحل من قبل خفر السواحل الليبيين. في السنوات الأخيرة، حتى في الفترات التي لم يكن فيها أي أطراف فاعلة في البحر، شهدنا الكثير من المهاجرين من ليبيا وبالتالي العديد من الوفيات “.

عوامل تدفع للهجرة

يرى باحثون مثل إليانور جوردان وهنريك لارسن بأنه لا يتم إيلاء أهمية كبيرة إلى حقيقة أن هناك عوامل مهمة بكثير تدفع بالكثير نحو الهجرة، مثل الحرب والاضطهاد السياسي والفقر المدقع. المتحدثة باسم المنظمة الدولية للهجرة، صفاء مساهلي ترى الأمر بشكل مشابه وتقول في مقابلة مع DW: “في رأينا، العوامل التي تدفع للهجرة أكثر أهمية من أي شيء آخر. غالبًا ما يعاني هؤلاء في بلدانهم الأصلية من صعوبات وجودية، إلى جانب الاستغلال والسجن والتعذيب“.

منظمات غير حكومية مثل Sea-Eye (الصورة) تقوم بإنقاذ المهاجرين واللاجئين من البحر.

منظمات غير حكومية مثل Sea-Eye (الصورة) تقوم بإنقاذ المهاجرين واللاجئين من البحر.

هل تزيد عمليات الإنقاذ البحري من أعداد المهاجرين واللاجئين؟

باختصار، لا يمكن إثبات التأثير المباشر للإنقاذ البحري على تدفق المهاجرينواللاجئين إلى أوروبا. تشير معظم الدراسات إلى أن عمليات الإنقاذ لا تزيد من عدد المهاجرين واللاجئين من سواحل شمال إفريقيا.

وبالمقارنة مع العوامل الأخرى، يبدو أن الإنقاذ البحري يلعب دوراً ثانوياً فقط. بيد أنه في المقابل لا يمكن دحض الادعاء بأن الإنقاذ البحري يعمل كعامل جذب بوضوح أيضًا. ذكر جميع الخبراء الذين درسوا الموضوع تقريبًا أن هناك حاجة إلى مزيد من البيانات والمزيد من البحث.

ماذا يعني هذا بالنسبة لسياسة الاتحاد الأوروبي؟

يستند الانخفاض الحاد في عمليات الإنقاذ البحري الحكومية وعقبات الإنقاذ البحري المدني مثل حجز السفن في الموانئ أو حظر الدخول إلى افتراضات لم يتم إثباتها. كتب ماتيو فيلا، أحد الخبراء المذكورين أعلاه، في مقال رأي في صحيفة “دي تسايت” الأسبوعية الألمانية أن الإنقاذ البحري كعامل جذب يبدو واضحًا للكثيرين لدرجة أنهم بالكاد شككوا في الافتراض أو لم يتوقعوا أي دليل على ذلك.

وتشير النتائج حتى الآن إلى أنه يمكن إنقاذ المزيد من الأرواح البشرية “دون المخاطرة بشق المزيد من الناس طريقهم إلى أوروبا. لسوء الحظ، يختار الاتحاد الأوروبي مسارًا مختلفًا.”

بالإضافة إلى ذلك، يشير جميع الباحثين المذكورين هنا وجميع من حاورتهم دويتشه فيله (DW) إلى الأبعاد الأخلاقية والقانونية للإنقاذ البحري.فوفقاً لقانون البحار الدولي، يجب إنقاذ الأشخاص المنكوبين ونقلهم إلى مكان آمن.

إينيس إيزيل/ إ.م






الخبر من المصدر

مساحة إعلانية - ضع إعلانك هنا
الكلمات الدلالية
إعلان

إقرأ أيضاً:

إغلاق